معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، والمراد من السكر : السكر من الخمر، عند الأكثرين، وذلك أن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه صنع طعاماً، ودعا ناساً من أصحاب النبي ﷺ وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر، وسكروا فحضرت صلاة المغرب، فقدموا رجلاً ليصلي بهم فقرأ :{ قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون. بحذف ( لا ) هكذا إلى آخر السورة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصلاة، حتى نزل تحريم الخمر. وقال الضحاك بن مزاحم : أراد به سكر النوم، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن المفلس، أنا هارون بن إسحاق الهمذاني، أخبرنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ :( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ).
قوله تعالى :﴿حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً﴾، نصب على الحال، يعني : ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب. يقال : رجل جنب، وامرأة جنب، ورجال جنب، ونساء جنب. وأصل الجنابة : البعد، وسمي جنباً لأنه يتجنب موضع الصلاة، أو لمجانبته الناس وبعده منهم، حتى يغتسل.
قوله تعالى :﴿إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، اختلفوا في معناه، فقال :
إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا، منع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر، ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وهذا قول علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد رضي الله عنهم. وقال الآخرون : بل المراد من الصلاة موضع الصلاة، كقوله تعالى :﴿وبيع وصلوات﴾ [الحج: ٤٠] ومعناه : لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، مثل أن ينام في المسجد فيجنب، أو يصيبه جنابة والماء في المسجد، أو يكون طريقه عليه، فيمر به ولا يقيم. وهذا قول عبد الله بن مسعود، وسعيد بن المسيب، والضحاك، والحسن، وعكرمة، والنخعي، والزهري، وذلك أن قوماً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، ولا ممر لهم إلا في المسجد، فرخص لهم في العبور. واختلف أهل العلم فيه : فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق، وهو قول الحسن، وبه قال مالك، والشافعي، رحمهم الله، ومنع بعضهم على الإطلاق، وهو قول أصحاب الرأي، وقال بعضهم : يتيمم للمرور فيه. أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم، لما روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال :( وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب ) وجوز أحمد المكث فيه، وضعف الحديث لأن رواية مجهول، وبه قال المزني. ولا يجوز للجنب الطواف، كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا شعبة، أخبرني عمر بن مرة قال : سمعت عبد الله بن سلمة يقول : دخلت على علي رضي الله عنه فقال :" كان رسول الله ﷺ يقضي الحاجة، ويأكل معنا اللحم، ويقرأ القرآن، وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة ".
وغسل الجنابة يجب بأحد الأمرين : إما بنزول المني، أو بالتقاء الختانين، وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل، وكان الحكم في الابتداء أن من جامع امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل، ثم صار منسوخاً.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء الختانين فقالت عائشة : قال رسول الله ﷺ :" إذا التقى الختانان، أو مس الختان الختان، فقد وجب الغسل ".
قوله تعالى :﴿وإن كنتم مرضى﴾، جمع مريض، وأراد به مرضاً يضره إمساس الماء، مثل الجدري ونحوه، أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف، أو زيادة الوجع، فإنه يصلي بالتيمم، وإن كان الماء موجوداً، وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحاً والبعض جريحاً غسل الصحيح منها وتيمم للجريح، لما أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز الغاشاني، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أنا داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أنا موسى ابن عبد الرحمن الأنطاكي، أنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن حزيق، عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال :" قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب -شك الراوي- على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده.
ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل، وقالوا : إن كان أكثر أعضائه صحيحاً غسل الصحيح ولا يتيمم عليه، وإن كان الأكثر جريحاً اقتصر على التيمم. والحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما.
قوله تعالى :﴿أو على سفر﴾. أراد أنه إذا كان في سفر طويلاً كان أو قصيراً، وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه. لما روي عن أبي ذر قال : قال النبي ﷺ :( إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره ).
فإذا ذلك خيرا أما إذا لم يكن الرجل مريضاً، ولا في سفر، لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه الماء غالباً، بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا قدر على الماء عند الشافعي، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنهما يؤخر الصلاة حتى يجد الماء.
قوله تعالى :﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، أراد به إذا أحدث، والغائط : اسم للمطمئن من الأرض، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكني عن الحدث بالغائط.
قوله تعالى :﴿أو لامستم النساء﴾، قرأ حمزة والكسائي ﴿لامستم﴾ هاهنا وفي المائدة، وقرأ الباقون ﴿لامستم النساء﴾. واختلفوا في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم : المجامعة، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وكني باللمس عن الجماع، لأن الجماع لا يحصل إلا باللمس، وقال قوم : هما التقاء البشرتين، سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود وابن عمر، والشعبي، والنخعي. واختلف الفقهاء في حكم هذه الآية.
فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما ينتقض وضوءهما، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال الزهري، والأوزاعي، والشافعي رضي الله عنهما. وقال مالك، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق : إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر، وإن لم يكن بشهوة فلا ينتقض. وقال قوم : لا ينتقض الوضوء باللمس بحال. وهو قول ابن عباس، وبه قال الحسن، والثوري. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا ينتقض إلا إذا أحدث الانتشار. واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ أنها قالت :" كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ".
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أن أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ قالت : كنت نائمةً إلى جنب رسول الله ﷺ ففقدته من الليل، فلمسته بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول :" أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ".
واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم، والبنت، والأخت، أو لمس أجنبية صغيرة، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء لأنها ليست بمحل الشهوة، كما لو لمس رجلاً. واختلف قوله في انتقاض وضوء الملموس على قولين : أحدهما : ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ. كما يجب الغسل عليهما بالجماع، والثاني : لا ينتقض لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت : فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد، ولو لمس شعر امرأة أو سنها، أو ظفرها، لم ينتقض وضوءه عنده.
واعلم أن المحدث لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد الماء، أو يتيمم إذا لم يجد الماء.
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر عن همام بن منبه، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :( لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).
والحدث : هو خروج الخارج من أحد الفرجين عيناً كان أو أثراً : أوالغلبة على العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان. وأما النوم : فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يوجب الوضوء، إلا أن ينام قاعداً ممكناً فلا وضوء عليه، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أنا الشافعي، أنا الثقة عن حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه قال : كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال : قعوداً، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون.
وذهب قوم إلى النوم يوجب الوضوء بكل حال، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها، وبه قال الحسن، وإسحاق، والمزني. وذهب قوم : إلى أنه لو نام قائماً، أو قاعداً، أو ساجداً، فلا وضوء عليه حتى ينام مضطجعاً. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي. واختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره : فذهب جماعة إلى أنه يوجب الوضوء. وهو قول عمر، وابن عمر، وابن عباس وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنها. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان ابن يسار، وعروة بن الزبير، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وكذلك المرأة تمس فرجها، غير أن الشافعي رضي الله عنه يقول : لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف، أو بطون الأصابع. واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى