الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يشربون الخمرة، ويشهدون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يُصلّون، ولا يدرون ما يقولون في صلواتهم، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ نشاوى من الخمر، جمع سكران، وقرأ النخعي :( جُنباً ) وهما لغتان.
﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ وتقرؤون في صلاتكم، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصّلاة، حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. سلمة بن نبيط عن الضحاك بن مزاحم :﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، قال : لم يعنِ سكر الخمر، إنّما يعني سكر النوم.
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ :" إذا نعس أحدكم وهو في الصّلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنّه إذا صلّى وهو ينعس، لعلّه يذهب فيستغفر فيسبّ نفسه ".
هشام بن عروة أيضاً عن أبيه عن عائشة، قالت : قال رسول الله ﷺ :" إذا نعس الرجل وهو يصلّي، فلينصرف فلعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري ".
همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع ".
وروي عن عبيدة السلماني في هذه الآية أنّه قال : هو الحاقن، دليله قوله ﷺ :" لا يصلينَّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين ".
﴿وَلاَ جُنُباً﴾ نصب على الحال، يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جُنب، وقرأ إبراهيم النخعي :( جُنْباً ) بسكون النون، يقال : رجل جنب، ورجلان وامرأتان جُنب، ورجال ونساء جُنب، والفعل منه أجنب يجنب، وأصل الجنابة البُعد، فقيل له : جنب لأنّه يجتنب حتى يتطهر، ثم استثنى فقال :﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ واختلفوا في معناها، فقال : بعضهم : الاّ إن يكونوا مسافرين ولا يجدون الماء فيتيمّموا، وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير وابن زيد ومجاهد والحكم والحسن بن مسلم وابن كثير.
وقال الآخرون : معناه إلاّ مجتازين فيه للخروج منه مثل أن ينام في المسجد، فيجنب، أو يكون الماء فيه، أو يكون طريقه عليه، فرخص له أن يمرّ عليه ولا يُقيم، وعلى هذا القول تكون الصلاة بمعنى المصلّى والمسجد كقوله
﴿صَلَوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] اي موضع الصلوات، وهذا قول عبد الله وابن المسيّب وابن يسار والضحاك والحسن وعكرمة وإبراهيم وعطاء الخراساني والنخعي والزيدي، يدلّ عليه ماروى الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فيصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّاً للماء إلاّ في المسجد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
وأصل العبور : القطع يقال : عبر الطريق والنهر إذا قطعهما وجال فيهما.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ جمع مريض. إسماعيل عن أبيه عن الحسين عن أم سلمة قالت : قال رسول الله ﷺ :" ألا إنّ مسجدي حرام على كلِّ حائض من النساء، وعلى كلِّ جُنب من الرجال إلاّ على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ".
وأراد به مرضاً يضرّه مساس الماء كالجدري والجروح والقروح، أو كسر قد وضع عليه الجبائر، فإنّه رخّص له في التيمّم، هذا قول جماعة من الفقهاء، إلاّ ما ذهب [ إليه ] عطاء والحسن أنه لا يتيمّم مع وجود الماء، واحتّجا بقوله تعالى
﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا واجد الماء.
وهذا غلط، لما روى عطاء عن جابر قال :" خرجنا في سفر وأصاب رجلا معنا حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال : هل تجدون لي رخصة ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسلَ، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أُخبر بذلك، فقال :" قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العىّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده " ".
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ طويلا كان أو قصيراً، فله التيمّم عند عدم الماء، فإذا لم يكن مرض ولا سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يُعدم فيه الماء ( عادة )، مثل أن يكون في مصر فانقطع الماء عنه رأساً، أو في قرية فانقطع ماؤها، ففيه ثلاث مذاهب : ذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنّ عليه التيمم والصّلاة ويعيد الصّلاة، وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف إلى إنّه يتيمّم ويصلّي ولا إعادة عليه، وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يتيمّم ولا يصلّي، ولكنّه يصبر حتى يجد الماء ويتوضأ ويصلّي.
﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ﴾ قرأ الزّهري :( من الغيط )، والغيط والغوط والغائط كلُّها بمعنًى واحد، وهي الخبت المطمئن من الأرض، وقال مجاهد : هو الوادي، الحسن : الغور من الأودية، وتصوّب. المؤرّخ : قرارة من الأرض يحفها الكرم ويسترها، وجمعها غيطان، والفعل منه ( غاط يغوط )، مثل ( عاد يعود ). وتغوّط يتغوّط، إذا أتى الغائط، وكانوا يتبرّزون هناك فكنّى عن الحدث بالغائط مثل العذرة والحدث، وهو هاهنا كناية عن حاجة البطن.
﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف :( لمستم ) بغير ألف هاهنا، وفي المائدة وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالألف فيهما وهو اختيار أبي حاتم.
واختلف المفسّرون في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم : المجامعة، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقال سعيد بن جبير : ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع، وقال ناس من العرب : هو الجماع، فأتيت ابن عباس فذكرت له، فقال : من أيّ الفريقين كنت ؟ قلت : من الموالي.
قال : غُلب فريق الموالي، إنّ اللمس والمسّ والمباشرةَ الجماعُ، لكنّ الله يكنّي عمّا يشاء بما يشاء، وعلى هذا القول إنّما كنّى عن اللمس بالجماع ؛ لأنّ اللمس يوصَل إليه، كما يقال للسّحاب : سماء، وللمطر : سماء وللكلأ سماء لأنّ بالسحاب يوصل إلى المطر، وبالمطر يوصل إلى الكلأ، قال الشاعر :
إذا سقط السّماء بأرض قومرعيناه وإنْ كانوا غضابا
وقال الآخرون : هو التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأبي عبيدة ومنصور وعبيدة والشعبي والنخعي وحماد والحكم.
واختلف العلماء في حكم الآية على خمسة مذاهب، فقال الشافعي : إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلّق نقض الطهارة به، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.
وقال الأوزاعي : إن كان للمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه، فأجراه مجرى مسّ الفرج.
وقال مالك والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه : إذا كان اللمسّ للشهوة نقض، وإنْ كان لغير شهوة لم ينقض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إنْ كانت ملامسة فاحشة نقضت وإلاّ لم تنقض، والملامسة الفاحشة : ما تحدث الإفساد.
وذهبت طائفة إلى إنّ الملامسة لا تنقض الطهارة بحال، وبه قال من الصحابة ابن عباس، ومن التابعين الحسن البصري، وإليه ذهب محمد بن الحسين.
وعن الثوري روايتان : إحداهمها هذا، والثانية مثل ( قول مالك بدليل الشافعي من الآية ) أنّ الملامسة باليد ما روي " عن النبي ﷺ أنّه نهى عن بيع الملامسة، واللمس أكثر ما يستعمل في لمس اليد "، وأنشد الشافعي :
لمست بكفي كفّه طلب الغنىولم أدر أن الجود من كفّه يُعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعداني فأنفقت ما عندي
روى الزهري عن سالم عن أبيه قال : جسها بيده من الملامسة، ويدل عليه ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ " أنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ عن الرجل ينال من امرأة لا تحل له ما يناله من امرأته إلاّ الجماع، فقال :" يتوضّأ وضوءاً حسناً "، فثبت أنّ اللمسّ ينقض الوضوء.
احتج من لم يوجب الوضوء بالملامسة نفسها، بما روى مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت :" كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلىّ، فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ".
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت :
" إن كان رسول الله ﷺ يصلّي وأنا لمعترضة بين يديه اعتراض الجارية حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجله ".
وروي الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت :" فقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول :" أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ".
وفي بعض الاخبار : فلما فرغ من صلاته قال لي :" " يا عائشة أتاكِ شيطانكِ ؟ "، قالوا : فلمسته عايشة وهو في الصلاة فمضى فيها ".
ولأجل هذه الأخبار خصّ من ذكرنا مسّ الشهوة بنقض الوضوء. روى أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة " أنّ النبي ﷺ كان يُقبّل بعض أزواجه ثم يصلّي ولا يتوضأ ".
وأمّا الغسل وكيفية الملامسة على مذهب الشافعي فهو على ثلاثة أوجه : لمس ينقض الوضوء قولا واحداً، ولمس لا ينقض الوضوء، ولمس مختلف فيه، فالذي ينقض الوضوء ملامسة الرجل المرأة الشابة [. . . . ] متعمداً حية كانت أو ميتة، والذي لا ينقضه ملامسة الشعر والسنّ والظفر، والذي اختلف فيه هو أن يلمس فتاة صغيرة، أو امرأة كبيرة، أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحلّ له نكاحها، ( وفيه ) قولان : أحدهما ينقض الوضوء لأنه لمس متعمد [. . . . ]، والثاني لا ينقض لانّه لا تدخل للشهوة فيهن، يدلّ عليه ما روي عن أبي قتادة السلمي الانصاري " أنّ رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها " وهذا حكم الملامسة إذا لم يكن حائل، فأمّا إن كانت من دون حائل فإنها تنقض الطهارة سواء كان الحائل صفيقاً أو رقيقاً، هذا قول الجمهور.
وقال مالك : ينقضها إن كان رقيقاً ولا ينقضها إن كان صفيقاً، وقال الليث وربيعة : ينقضها سواء كان صفيقاً أو رقيقاً، والدليل على أنّها لا تنقض الوضوء إذا كانت من دون حائل ظاهر الآية ﴿لاَمَسْتُمُ﴾ فإذا لمسها مع الحائل فما لمسها وإنّما لمس الحائل، وعليه إنّه لو حلف ألاّ يلمسها ولمسها من وراء حائل لم يحنث.
فهذا كلّه حكم اللامس، وأما الملموس فهل ينتقض به طهره أم لا ؟ فعلى قولين للشافعي :
أحدهما : أنّه ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ.
والثاني : لا ينتقض لخبر عائشة :" فوقعت يدي على أخمص قدمي رسول الله ﷺ والله أعلم.
قوله تعالى :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ اعلم أنّ التيمّم من خصائص هذه الأُمة لما روى ربّعي بن خمّاش، عن حذ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى