التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب عليهم عند أدائها من تظهير بدنى وروحى حتى يكونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله، فقال - تعالى - :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٤٣ )
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : قل يا أيها الكافرون. فخلط فيها. فنزلت :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾.
وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا بعد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال : فقرأ : " قل يأيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله الآية.
قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله - تعالى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ الآية فإن رسول الله ﷺ تلاهما على عمر. فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبى داود : فكان منادى رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة :﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ إلى قوله :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ فقال عمر : انتهينا انتهينا.
والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء : الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام ركوع وسجود.
والمراد بقربها : القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها.
وقوله ﴿سكارى﴾ جمع سكران.
وأصل السكر فى اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ أى : انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها.
والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه، ويسد ما بين المرء وعقله.
والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما. وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة.
وعابر السبيل : مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب.
يقال : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل : عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر.
حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا ؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها.
ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا : مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل.
والمعنى عليه : لا تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها إنه يجوز لكم ذلك.
روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى - :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم نابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
وقال بعض العلماء : وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقى، من دون تقدير مضاف : وقوله :﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقوى تقدير المضاف. أى : لا تقربوا موضع الصلاة.
ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى - وهو قوله :﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى.
وبعض قيود النهى - وهو قوله : إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة.
ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما : لا تقربوا الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وفى ندائهم بصفة الإيمان، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين.
وقوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع الإِيمان السليم، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب. وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب.
ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القطاع لشرب الخمر فى جمع الأوقات كما سبق أن أشرنا.
وقوله ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ غاية للنهى وإيماء إلى علته.
وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما فى قوله ﴿مَا تَقُولُونَ﴾ موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه.
أى : حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما تقتضيه الصلاة.
قال الآلوسى : وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون.
وقوله ﴿وَلاَ جُنُباً﴾ معطوف على قوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ إذ الجملة فى موضع النصب على الحال. والاستثناء فى قوله ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مفرغ من أعم الأحوال.
وقوله ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب.
والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة. وهو كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى﴾ : المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك.
وقوله :﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله :﴿مرضى﴾.
أى : وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى حاجة شديدة إليه، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء.
وقوله ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ معطوف على قوله :﴿كُنْتُمْ﴾.
والغائظ من الغيظ. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من بريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفى إسناد المجئ إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما بستهجن التصريح به.
أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله.
والمراد بالملامسة فى قوله ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ الجماع عند بعض الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ يريد - سبحانه - : أو جامعتم النساء.
إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع، لأنه ما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما.
وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ما سستم بشرتهن ببشرتكم. وبه استدل الشافعى على أن اللمس بنقض الوضوء.
وقال مالك : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا...
وذهب أبو حنيقة إلا أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة... والفاء فى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى﴾. والضمير فى قوله ﴿تَجِدُواْ﴾ يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ ﴿لاَمَسْتُمُ﴾.
والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى. أى أن قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشئ المتعذر استعماله كالمعدوم.
وقوله ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ جواب الشرط وهو قوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾.
والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ يعود إلى الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله.
وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة : القص
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ( ٤٣ )
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : قل يا أيها الكافرون. فخلط فيها. فنزلت :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾.
وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا بعد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال : فقرأ : " قل يأيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله الآية.
قال ابن كثير : وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله - تعالى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ الآية فإن رسول الله ﷺ تلاهما على عمر. فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبى داود : فكان منادى رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادى : لا يقربن الصلاة سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة :﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ إلى قوله :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ فقال عمر : انتهينا انتهينا.
والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء : الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام ركوع وسجود.
والمراد بقربها : القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها.
وقوله ﴿سكارى﴾ جمع سكران.
وأصل السكر فى اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ أى : انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها.
والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه، ويسد ما بين المرء وعقله.
والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما. وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة.
وعابر السبيل : مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب.
يقال : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل : عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر.
حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا ؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها.
ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا : مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل.
والمعنى عليه : لا تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها إنه يجوز لكم ذلك.
روى ابن جرير عن الليث قال : حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى - :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم نابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
وقال بعض العلماء : وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقى، من دون تقدير مضاف : وقوله :﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقوى تقدير المضاف. أى : لا تقربوا موضع الصلاة.
ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى - وهو قوله :﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى.
وبعض قيود النهى - وهو قوله : إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة.
ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما : لا تقربوا الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وفى ندائهم بصفة الإيمان، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين.
وقوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع الإِيمان السليم، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب. وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب.
ولا شك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القطاع لشرب الخمر فى جمع الأوقات كما سبق أن أشرنا.
وقوله ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ غاية للنهى وإيماء إلى علته.
وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما فى قوله ﴿مَا تَقُولُونَ﴾ موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه.
أى : حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما تقتضيه الصلاة.
قال الآلوسى : وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون.
وقوله ﴿وَلاَ جُنُباً﴾ معطوف على قوله ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ إذ الجملة فى موضع النصب على الحال. والاستثناء فى قوله ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مفرغ من أعم الأحوال.
وقوله ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب.
والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة. وهو كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ والمراد بالمرض فى قوله - تعالى - :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى﴾ : المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فى حكم ذلك.
وقوله :﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله :﴿مرضى﴾.
أى : وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى حاجة شديدة إليه، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء.
وقوله ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ معطوف على قوله :﴿كُنْتُمْ﴾.
والغائظ من الغيظ. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من بريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفى إسناد المجئ إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما بستهجن التصريح به.
أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله.
والمراد بالملامسة فى قوله ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ الجماع عند بعض الفقهاء قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ يريد - سبحانه - : أو جامعتم النساء.
إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع، لأنه ما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما.
وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ما سستم بشرتهن ببشرتكم. وبه استدل الشافعى على أن اللمس بنقض الوضوء.
وقال مالك : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا...
وذهب أبو حنيقة إلا أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة... والفاء فى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى﴾. والضمير فى قوله ﴿تَجِدُواْ﴾ يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ ﴿لاَمَسْتُمُ﴾.
والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى. أى أن قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشئ المتعذر استعماله كالمعدوم.
وقوله ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ جواب الشرط وهو قوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾.
والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ يعود إلى الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله.
وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة : القص