البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
السكر : انسداد طريق التمييز بشرب ما يسكر من قولهم : سكرت عين البازي، إذا خالها النوم.
ومنه : سكر النهر إذا اسندت مجاريه وسكرته أنا.
والسكر : أيضاً بضم السين السد.
قال :
والسكر : بالفتح ما أسكر، أي منع من التمييز.
الغائط : ما انخفض من الأرض، وجمعه غيطان.
ويقال : عيط وغوط.
وزعم ابن جني : أن غيطاً فعيل، إذ أصله عنده غيط مثل هين وسيد إذا أخففتهما.
والصحيح : أنه فعل.
كما أنّ غوطاً فعل، لأن العرب قالت : غاط يغوط ويغيط، فأتت به مرة في ذوات الياء، ومرة في ذوات الواو.
وجمعوا غوطاً على أغواط ويقال : تغوّط إذا أحدث وغاط في الأرض يغيط ويغوط غاب فيها حتى لا يظهر إلا لمن وقف عليه.
وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطاً من الأرض يستتر فيه عن أعين الناس، ثم قيل : للحدث.
نفسه غائطاً، كما قيل : سال الميزان وجري النهر.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ روي أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل التحريم، وحانت صلاة، فتقدّم أحدهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت.
وقيل : نزلت بسبب قول ثانياً : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، وكانوا يتحامونها أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر، إلى أن سأل عمر ثالثاً فنزل تحريمها مطلقاً.
وهذه الآية محكمة عند الجمهور.
وذهب ابن عباس إلى أنها منسوخة بآية المائدة.
وأعجب من هذا قول عكرمة : أن قوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى منسوخ بقوله :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ الآية أي أبيح لهم أن يؤخروا الصلاة حتى يزول السكر، ثم نسخ ذلك فأمروا بالصلاة على كل حال، ثم نسخ شرب الخمر بقوله :﴿فاجتنبوه﴾ ولم ينزل الله هذه الآية في إباحة الخمر فلا تكون منسوخة، ولا أباح بعد إنزالها مجامعة الصلاة مع السكر.
ووجه قول ابن عباس : أنّ مفهوم الخطاب يدل على جواز السكر، وإنما حرم قربان الصلاة في تلك الحال، فنسخ ما فهم من جواز الشرب والسكر بتحريم الخمر.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي : أنه لما أمر تعالى بعبادة الله والإخلاص فيها، وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق، وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة، وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر، ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر التي يوقعها على غير وجهها، فأمر تعالى بإتيانها على وجهها دون ما يفسدها، ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم، وبين الخلق والخطاب بقوله : يا أيها الذين آمنوا للصاحين، لأن السكران إذا عدم التمييز لسكره ليس بمخاطب، لكنه مخاطب إذا صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفيره ما أضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرّر تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق على ما ذهب إليه بعض الناس.
وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلّي المؤمن وهو سكران بقوله :﴿لا تقربوا الصلاة﴾ لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله : لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه :﴿ولا تقربوا الزنا﴾ ﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ والمعنى : لا تغشوا الصلاة.
وقيل : هو على حذف مضاف أي : لا تقربوا مواضع الصلاة لقوله : ولا جنباً إلا عابري سبيل على أحد التأويلين في عابري سبيل، وسيأتي إن شاء الله.
ومواضع الصلاة هي المساجد لقوله ﷺ :« جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم »
والجمهور على أن المراد : وأنتم سكارى من الخمر.
وقال الضحاك : المراد السكر من النوم، لقوله ﷺ :« إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه » وقال عبيدة السلماني : المراد بقوله وأنتم سكارى إذا كنتم حاقنين، لقوله عليه السلام :« لا يصلين أحدكم وهو حاقن » وفي رواية :« وهو ضام فخذيه » واستضعف قول الضحاك وعبيدة واستبعد.
وقال القرطبي : قولهما صحيح المعنى، لأن المطلوب من المصلي الإقبال على عبادة الله تعالى بقلبه وقالبه، بصرف الأسباب التي تشوّش عليه وتقل خشوعه من : نوم، وحقنة، وجوع، وغيره مما يشغل البال.
وظاهر الآية يدل على النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر.
وقيل : المراد النهي عن السكر، لأن الصلاة قد فرضت عليهم وأوقات السكر ليست محفوظة عندهم ولا بمقدرة، لأن السكر قد يقع تارة بالقليل وتارة بالكثير، وإذا لم يتحرر وقت ذلك عندهم تركوا الشرب احتياطاً لأداء ما فرض عليهم من الصلوات.
وأيضاً فالسكر يختلف باختلاف أمزجة الشاربين، فمنهم من سكره الكثير، ومنهم من سكره القليل.
وقرأ الجمهور : سكارى بضم السين.
واختلفوا : أهو جمع تكسير ؟ أم اسم جمع ؟ ومذهب سيبويه أنه جمع تكسير.
قال سيبويه في حد تكسير الصفات : وقد يكسرون بعض هذا على فعالى، وذلك قول بعضهم : سكارى وعجالى.
قال الزمخشري : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن.
والمشبه بالعروة الإيمان، قاله : مجاهد.
أو : الإسلام قاله السدّي أو : لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وابن جبير، والضحاك، أو : القرآن، قاله السدّي أيضاً، أو : السنة، أو : التوفيق.
أو : العهد الوثيق.
أو : السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه.
﴿لا انفصام لها﴾ لا انكسار لها ولا انقطاع، قال الفراء : الانفصام والانقصام هما لغتان، وبالفاء أفصح، وفرق بعضهم بينهما، فقال : الفصم انكسار بغير بينونة، والقصم انكسار ببينونة.
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة، وقيل : من الضمير المستكن في الوثقى، ويجوز أن يكون خبراً مستأنفاً من الله عن العروة، و : لها، في موضع الخبر، فتتعلق بمحذوف أي : كائن لها.
﴿والله سميع عليم﴾ أتى بهذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده الجنان، فناسب هذا ذكر هذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وقيل : سميع لدعائك يا محمد، عليم بحرصك واجتهادك.
﴿ألله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ الولي، هنا الناصر والمعين أو المحب أو متولى أمورهم، ومعنى : آمنوا، أرادوا أن يؤمنوا، والظلمات : هنا الكفر، والنور الإيمان، قاله قتادة، والضحاك، والربيع.
قيل : وجمعت الظلمات لاختلاف الضلالات، ووحد النور لأن الإيمان واحد.
والإخراج هنا إن كان حقيقة فيكون مختصاً بمن كان كافراً ثم آمن، وإن كان مجازاً فهو مجاز عن منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات.
قال الحسن : معنى يخرجهم يمنعهم، وإن لم يدخلوا، والمعنى أنه لو خلا عن توفيق الله لوقع في الظلمات، فصار توفيقه سبباً لدفع تلك الظلمة، قالوا : ومثل هذه الاستعارة شائع سائغ في كلامهم، كما قال طفيل الغنوي :
فإن تكنِ الأيام أحسنَّ مرة ***
إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قال الواقدي : كل شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان غير التي في الأنعام، وهو :﴿وجعل الظلمات والنور﴾ فإنه أراد به الليل والنهار.
وقال الواسطي : يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها : كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة.
وقال أبو عثمان : يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصلة والإلفة.
وقال الزمخشري : آمنوا أرادوا أن يؤمنوا، تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان، أو : الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم، بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين.
وحكى عن مالك نحوه.
قيل : وفي الآية دلالة على أن الشرب كان مباحاً في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر.
وقال القفال : يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية، وأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حالة الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو أنفق من غير قصد كان مرفوعاً عن صاحبه.
﴿ولا جنباً﴾ هذه حالة معطوفة على قوله : وأنتم سكارى.
إذ هي جملة حالية، والجملة الاسمية أبلغ لتكرار الضمير، فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو : ولا جنباً.
ودخول لا دالٌ على مراعاة كل قيد منهما بانفراده.
وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده، فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين، وأدخل في الحظر.
والجنب : هو غير الصحابة : لا غسل إلا على من أنزل، وبه قال الأعمش وداود.
وهي مسألة تذكر أدلتها في علم الفقه.
والجنب من الجنابة وهي البعد، كأنه جانب الطهر، أو من الجنب كأنه ضاجع ومس بجنبه.
قال الزمخشري : الجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب انتهى.
والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن.
وقد جمعوه جمع سلامة بالواو وإلنون قالوا : قوم جنبون، وجمع تكسير قالوا : قوم أجناب.
وأما تثنيته فقالوا : جنبان.
﴿إلا عابري سبيل﴾ العبور : الخطور والجواز، ومنه ناقة عير الهواجر وعبر أسفار قال :
وعابر السبيل هو المارّ في المسجد من غير لبث فيه، وهو مذهب الشافعي قال : يمرّ فيه ولا يقعد فيه.
وقال الليث : لا يمرّ فيه إلا إن كان بابه إلى المسجد.
وقال أحمد وإسحاق : إذا توضأ الجنب فلا بأس به أن يقعد في المسجد.
وقال الزمخشري : من فسر الصلاة بالمسجد قال : معناه لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه، أو احتلمتم فيه.
وقيل : إنّ رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد، فرخص لهم.
وروي أن رسول الله ﷺ :« لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أن يمرّ فيه وهو جنب، إلا لعلي.
لأنه بيته كان في المسجد » وقال عليّ وابن عباس أيضاً وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم : عابر السبيل المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، قالوا : لا يدخل المسجد إلا الطاهر سواء أراد القعود فيه أم الاجتياز، وهو قول : مالك والثوري وجماعة.
ورجح هذا القول بأن قوله : لا تقربوا الصلاة يبقى على ظاهره، وحقيقته بخلاف تأويل مواضع الصلاة فإنه مجاز، ولا يعدل إليه إلا بعد تعذر حمل الكلام على حقيقته.
وليس في المسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر، وفي الصلاة قراءة مشروطة يمنع لأجل تعذر إقامتها من فعل الصلاة.
وسمي المسافر عابر سبيل لأنه على الطريق، كما سمي ابن السبيل.
وأفاد الكلام معنيين : أحدهما : جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به.
والثاني : أن التيمم لا يرفع الجنابة، لأنه سماه جنباً مع كونه متيمماً.
وعلى هذا المعنى فسر الزمخشري الآية أ
ومنه : سكر النهر إذا اسندت مجاريه وسكرته أنا.
والسكر : أيضاً بضم السين السد.
قال :
| فما زلنا على الشرب | نداوي السكر بالسكر |
الغائط : ما انخفض من الأرض، وجمعه غيطان.
ويقال : عيط وغوط.
وزعم ابن جني : أن غيطاً فعيل، إذ أصله عنده غيط مثل هين وسيد إذا أخففتهما.
والصحيح : أنه فعل.
كما أنّ غوطاً فعل، لأن العرب قالت : غاط يغوط ويغيط، فأتت به مرة في ذوات الياء، ومرة في ذوات الواو.
وجمعوا غوطاً على أغواط ويقال : تغوّط إذا أحدث وغاط في الأرض يغيط ويغوط غاب فيها حتى لا يظهر إلا لمن وقف عليه.
وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطاً من الأرض يستتر فيه عن أعين الناس، ثم قيل : للحدث.
نفسه غائطاً، كما قيل : سال الميزان وجري النهر.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ روي أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل التحريم، وحانت صلاة، فتقدّم أحدهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت.
وقيل : نزلت بسبب قول ثانياً : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، وكانوا يتحامونها أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر، إلى أن سأل عمر ثالثاً فنزل تحريمها مطلقاً.
وهذه الآية محكمة عند الجمهور.
وذهب ابن عباس إلى أنها منسوخة بآية المائدة.
وأعجب من هذا قول عكرمة : أن قوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى منسوخ بقوله :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ الآية أي أبيح لهم أن يؤخروا الصلاة حتى يزول السكر، ثم نسخ ذلك فأمروا بالصلاة على كل حال، ثم نسخ شرب الخمر بقوله :﴿فاجتنبوه﴾ ولم ينزل الله هذه الآية في إباحة الخمر فلا تكون منسوخة، ولا أباح بعد إنزالها مجامعة الصلاة مع السكر.
ووجه قول ابن عباس : أنّ مفهوم الخطاب يدل على جواز السكر، وإنما حرم قربان الصلاة في تلك الحال، فنسخ ما فهم من جواز الشرب والسكر بتحريم الخمر.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي : أنه لما أمر تعالى بعبادة الله والإخلاص فيها، وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق، وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة، وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر، ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر التي يوقعها على غير وجهها، فأمر تعالى بإتيانها على وجهها دون ما يفسدها، ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم، وبين الخلق والخطاب بقوله : يا أيها الذين آمنوا للصاحين، لأن السكران إذا عدم التمييز لسكره ليس بمخاطب، لكنه مخاطب إذا صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفيره ما أضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرّر تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق على ما ذهب إليه بعض الناس.
وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلّي المؤمن وهو سكران بقوله :﴿لا تقربوا الصلاة﴾ لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله : لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه :﴿ولا تقربوا الزنا﴾ ﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ والمعنى : لا تغشوا الصلاة.
وقيل : هو على حذف مضاف أي : لا تقربوا مواضع الصلاة لقوله : ولا جنباً إلا عابري سبيل على أحد التأويلين في عابري سبيل، وسيأتي إن شاء الله.
ومواضع الصلاة هي المساجد لقوله ﷺ :« جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم »
والجمهور على أن المراد : وأنتم سكارى من الخمر.
وقال الضحاك : المراد السكر من النوم، لقوله ﷺ :« إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه » وقال عبيدة السلماني : المراد بقوله وأنتم سكارى إذا كنتم حاقنين، لقوله عليه السلام :« لا يصلين أحدكم وهو حاقن » وفي رواية :« وهو ضام فخذيه » واستضعف قول الضحاك وعبيدة واستبعد.
وقال القرطبي : قولهما صحيح المعنى، لأن المطلوب من المصلي الإقبال على عبادة الله تعالى بقلبه وقالبه، بصرف الأسباب التي تشوّش عليه وتقل خشوعه من : نوم، وحقنة، وجوع، وغيره مما يشغل البال.
وظاهر الآية يدل على النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر.
وقيل : المراد النهي عن السكر، لأن الصلاة قد فرضت عليهم وأوقات السكر ليست محفوظة عندهم ولا بمقدرة، لأن السكر قد يقع تارة بالقليل وتارة بالكثير، وإذا لم يتحرر وقت ذلك عندهم تركوا الشرب احتياطاً لأداء ما فرض عليهم من الصلوات.
وأيضاً فالسكر يختلف باختلاف أمزجة الشاربين، فمنهم من سكره الكثير، ومنهم من سكره القليل.
وقرأ الجمهور : سكارى بضم السين.
واختلفوا : أهو جمع تكسير ؟ أم اسم جمع ؟ ومذهب سيبويه أنه جمع تكسير.
قال سيبويه في حد تكسير الصفات : وقد يكسرون بعض هذا على فعالى، وذلك قول بعضهم : سكارى وعجالى.
قال الزمخشري : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن.
والمشبه بالعروة الإيمان، قاله : مجاهد.
أو : الإسلام قاله السدّي أو : لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وابن جبير، والضحاك، أو : القرآن، قاله السدّي أيضاً، أو : السنة، أو : التوفيق.
أو : العهد الوثيق.
أو : السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه.
﴿لا انفصام لها﴾ لا انكسار لها ولا انقطاع، قال الفراء : الانفصام والانقصام هما لغتان، وبالفاء أفصح، وفرق بعضهم بينهما، فقال : الفصم انكسار بغير بينونة، والقصم انكسار ببينونة.
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة، وقيل : من الضمير المستكن في الوثقى، ويجوز أن يكون خبراً مستأنفاً من الله عن العروة، و : لها، في موضع الخبر، فتتعلق بمحذوف أي : كائن لها.
﴿والله سميع عليم﴾ أتى بهذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده الجنان، فناسب هذا ذكر هذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وقيل : سميع لدعائك يا محمد، عليم بحرصك واجتهادك.
﴿ألله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ الولي، هنا الناصر والمعين أو المحب أو متولى أمورهم، ومعنى : آمنوا، أرادوا أن يؤمنوا، والظلمات : هنا الكفر، والنور الإيمان، قاله قتادة، والضحاك، والربيع.
قيل : وجمعت الظلمات لاختلاف الضلالات، ووحد النور لأن الإيمان واحد.
والإخراج هنا إن كان حقيقة فيكون مختصاً بمن كان كافراً ثم آمن، وإن كان مجازاً فهو مجاز عن منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات.
قال الحسن : معنى يخرجهم يمنعهم، وإن لم يدخلوا، والمعنى أنه لو خلا عن توفيق الله لوقع في الظلمات، فصار توفيقه سبباً لدفع تلك الظلمة، قالوا : ومثل هذه الاستعارة شائع سائغ في كلامهم، كما قال طفيل الغنوي :
فإن تكنِ الأيام أحسنَّ مرة ***
إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قال الواقدي : كل شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان غير التي في الأنعام، وهو :﴿وجعل الظلمات والنور﴾ فإنه أراد به الليل والنهار.
وقال الواسطي : يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها : كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة.
وقال أبو عثمان : يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصلة والإلفة.
وقال الزمخشري : آمنوا أرادوا أن يؤمنوا، تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان، أو : الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم، بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين.
وحكى عن مالك نحوه.
قيل : وفي الآية دلالة على أن الشرب كان مباحاً في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر.
وقال القفال : يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية، وأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حالة الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو أنفق من غير قصد كان مرفوعاً عن صاحبه.
﴿ولا جنباً﴾ هذه حالة معطوفة على قوله : وأنتم سكارى.
إذ هي جملة حالية، والجملة الاسمية أبلغ لتكرار الضمير، فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو : ولا جنباً.
ودخول لا دالٌ على مراعاة كل قيد منهما بانفراده.
وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده، فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين، وأدخل في الحظر.
والجنب : هو غير الصحابة : لا غسل إلا على من أنزل، وبه قال الأعمش وداود.
وهي مسألة تذكر أدلتها في علم الفقه.
والجنب من الجنابة وهي البعد، كأنه جانب الطهر، أو من الجنب كأنه ضاجع ومس بجنبه.
قال الزمخشري : الجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب انتهى.
والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن.
وقد جمعوه جمع سلامة بالواو وإلنون قالوا : قوم جنبون، وجمع تكسير قالوا : قوم أجناب.
وأما تثنيته فقالوا : جنبان.
﴿إلا عابري سبيل﴾ العبور : الخطور والجواز، ومنه ناقة عير الهواجر وعبر أسفار قال :
| عيرانه سرح اليدين شمله | عبر الهواجر كالهجف الخاضب |
وقال الليث : لا يمرّ فيه إلا إن كان بابه إلى المسجد.
وقال أحمد وإسحاق : إذا توضأ الجنب فلا بأس به أن يقعد في المسجد.
وقال الزمخشري : من فسر الصلاة بالمسجد قال : معناه لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه، أو احتلمتم فيه.
وقيل : إنّ رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّاً إلا في المسجد، فرخص لهم.
وروي أن رسول الله ﷺ :« لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أن يمرّ فيه وهو جنب، إلا لعلي.
لأنه بيته كان في المسجد » وقال عليّ وابن عباس أيضاً وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم : عابر السبيل المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، قالوا : لا يدخل المسجد إلا الطاهر سواء أراد القعود فيه أم الاجتياز، وهو قول : مالك والثوري وجماعة.
ورجح هذا القول بأن قوله : لا تقربوا الصلاة يبقى على ظاهره، وحقيقته بخلاف تأويل مواضع الصلاة فإنه مجاز، ولا يعدل إليه إلا بعد تعذر حمل الكلام على حقيقته.
وليس في المسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر، وفي الصلاة قراءة مشروطة يمنع لأجل تعذر إقامتها من فعل الصلاة.
وسمي المسافر عابر سبيل لأنه على الطريق، كما سمي ابن السبيل.
وأفاد الكلام معنيين : أحدهما : جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به.
والثاني : أن التيمم لا يرفع الجنابة، لأنه سماه جنباً مع كونه متيمماً.
وعلى هذا المعنى فسر الزمخشري الآية أ