المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
الرؤية في قوله ﴿ألم تر﴾ من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، وقال قوم : معناه «الم تعلم » وقال آخرون :«ألم تخبر » وهذا كله يتقارب، والرؤية بالقلب تصل بحرف الجر وبغير حرف الجر، والمراد ب ﴿الذين﴾ : اليهود، قاله قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس : نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي(١).
و﴿أوتوا﴾ أعطوا، و «النصيب » الحظ، و ﴿الكتاب﴾ : التوراة والإنجيل، وإنما جعل المعطى نصيباً في حق كل واحد منفرد، لأنه لا يحصر علم الكتاب واحد بوجه، و ﴿يشترون﴾ عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان، فكأنه أخذ وإعطاء، هذا قول جماعة، وقالت فرقة : أراد الذين كانوا يعطون أموالهم للأحبار على إقامة شرعهم فهذا شراء على وجهه على هذا التأويل، ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل﴾، معناه أن تكفروا، وقرأ النخعي، «وتريدون أن تضلوا » بالتاء منقوطة من فوق في [ تريدون ](٢).
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية وما بعدها، تقتضي توبيخاً للمؤمنين على استنامة(٣) قوم منهم إلى أحبار اليهود، في سؤال عن دين، أو في موالاة أو ما أشبه ذلك، وهذا بيّن في ألفاظها، فمن ذلك، ﴿ويريدون أن تضلوا﴾، أي تدعوا الصواب في اجتنابهم، وتحسبوهم غير أعداء، والله أعلم بهم.
١ - قال ابن إسحاق: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلّم رسول الله ﷺ لوّى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿إلا قليلا﴾..
٢ - ويكون المعنى على هذا: إنكم تدعون الصواب وهو اجتنابهم، وتحسبونهم غير أعداء لله تعالى، وكأنكم بهذا تريدون لأنفسكم الضلال..
٣ - يريد أنهم يسكنون إليهم مثل سكون النائم، وفيها معنى الخضوع أو شبهه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى