بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي دون الشرك ﴿لِمَن يَشَاء﴾ يعني لمن مات موحداً نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة، وذلك أن الناس لما التقوا يوم أحد وقد جعل لوحشي جزاء إن قتل حمزة فقتله، لم يوف له، فلما قدم مكة ندم على صنعه الذي صنع هو وأصحابه معه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ كتاباً إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا من الدخول معك إلا أنا سمعناك تقول : إذ كنت عندنا بمكة ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها أخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ آثاما﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] إلى قوله ﴿يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [سورة الفرقان: ٦٩] وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس، وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزل ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالحا فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [سورة مريم: ٦٠] فبعث رسول الله ﷺ بهذه الآيات إلى وحشي وأصحابه، فلما قرؤوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد، فنخاف ألا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية. فنزل ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ فبعث إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه فقالوا : إن في هذه الآية شرطاً أيضاً نخاف ألا نكون من أهل مشيئته، فنزل قوله
﴿قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ [سورة الزمر: ٥٣] فبعثها إليهم، فلما قرؤوها وجدوها أوسع مما كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام. وروي عن ابن عمر أنه قال : كنا إذا مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ فأمسكنا عن الشهادة. وهذه الآية رد على من يقول : إن من مات على كبيرة يخلد في النار، لأن الله تعالى قد ذكر في آية أخرى ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [سورة هود: ١١٤] يعني ما دون الكبائر، فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى الكبائر. ثم قال تعالى :﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ يعني اختلق على الله كذباً عظيماً. ويقال : فقد أذنب ذنباً عظيماً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى