محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى اثما عظيما٤٨ )
( ان الله لا يغفر أن يشرك به ) قال أبو السعود : كلام مستأنف مسوق لتقرير / ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان، ببيان استحالة المغفرة بدونه. فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة. كما في قوله تعالى :( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ) (١). ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) ( أي على التحريف ) ( ويقولون سيغفر لنا ). والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليا. فان الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة. وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار. ونزوله في حق اليهود، كما قال مقاتل، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم. وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا. بل لا وجه له أصلا. لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر. أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان. لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر. وجواز مغفرته بلا ايمان مما يؤدي إلى فتحه. ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان. فمن لم يكن له ايمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى.
قال الشهاب : الشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، وهو المراد هنا. وقد صرح به في قوله تعالى في سورة ( لم يكن ) بقوله :( ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ) (٢). فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى.
وقال الرازي : هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا، في عرف الشرع. ويدل عليه وجهان :
الأول : أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور. فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية. وبالاجماع هي غير مغفورة. فدل على أنها داخلة / تحت اسم الشرك.
الثاني : ان اتصال هذه الآية بما قبلها، انما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود. فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، والا لم يكن الأمر كذلك. فان قيل : قوله تعالى :( ان الذين آمنوا والذين هادوا... ) إلى قوله :( والذين أشركوا ) (٣). فعطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة – قلنا المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي. والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي. ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه، دفعا للتناقض. انتهى.
لطيفة :
قال أبو البقاء : الشرك أنواع : شرك الاستقلال وهو اثبات الهين مستقلين. كشرك المجوس. وشرك التبعيض، وهو تركيب الاله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية. وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا للغير. كشرك متأخري الجاهلية. وشرك الأسباب. وهو اسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض. وهو العمل لغير الله. فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع. وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع. وحكم الخامس التفصيل. فمن قال في الأسباب العادية انها تؤثر بطبعها فقد حكي الإجماع على كفره. ومن قال انها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. انتهى. ( ويغفر ما دون ذلك ) أي ما دون الشرك من المعاصي، صغيرة كانت أو كبيرة ( لمن يشاء ) تفضلا منه واحسانا. قال ابن جرير(٤) : وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل. ان شاء / عفا عنه وان شاء عاقبه عليه. ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل اه. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة. وان لم يقع من ذلك المذنب توبة. وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله تعالى :( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ). (٥) وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر. فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. ولذا قال الرازي : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر. ثم جود وجوه الاستدلال. ومنها : أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة. ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة. فوجب أن يكون الغفران المذكور، في هذه الآية، هو غفران الكبيرة قبل التوبة. وهو المطلوب.
وأول الزمخشري هذه الآية على مذهبه : بأن الفعل المنفي والمثبت جميعا، موجهان إلى قوله تعالى :( لمن يشاء ) على قاعدة التنازع. كأنه قيل : ان الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب. قال : ونظيره قولك : ان الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. انتهى.
قال ناصر الدين في ( الانتصاف ) : عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة. وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له. هذا مع عدم التوبة. وأما مع التوبة فكلاهما مغفور. والآية انما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى. فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة، كما ترى. فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة. وأما القدرية فانهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر. في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا شاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين. فاذا / عرض الزمخشري هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه. إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب، فلا وجه للتفصيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا. إذ هما سيان في استحالة المغفرة. وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد قال في الشرك انه ( لا يغفر ) والتائب من الشرك مغفور له. وعند ذلك أخذ الزمخشري بقطع أحدهما عن الآخر. فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر التوبة. حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحدا منهما :
أحدهما : اضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر. وأيضا لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلا. ولا يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل. فكيف يليق السكوت عن ذكر ما هو العمدة والموجب، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء ؟
الثاني : أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر. وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي. نعوذ بالله من ذلك.
واما القدرية فهم بهذا المعتقد يقع عليه بهم المثل السائر ( السيد يعطي والعبد يمنع ). لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر، ان شاء. وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح، التي هي بالفساد أجدر وأحق. انتهى.
فائدة :
وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة :
الأول : عن عائشة(٦) قالت : قال رسول الله ﷺ :" الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئا. وديوان لا يترك الله منه شيئا. وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان / الذي لا يغفره الله فالشرك بالله. قال الله عز وجل :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ) الآية. وقال :( انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) (٧). وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها. فان الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز، ان شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة ". رواه الإمام أحمد. وقد تفرد به.
الثاني : عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال :" الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يترك الله منه شيئا. فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك. وقال :( ان الشرك لظلم عظيم ) (٨). وأما الظلم الذي يغفره الله، فظلم العباد لأنفسهم، فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض ". رواه أبو بكر البزار في ( مسنده ).
الثالث : عن معاوية قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره. إلا الرجل يموت كافرا. أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ". رواه الإمام أحمد(٩) والنسائي.
الرابع : عن أبي ذر(١٠) : أن رسول الله ﷺ قال :" ما من عبد قال : لا اله إلا الله، / ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق ( ثلاثا ) ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر.
قال فخرج أبو ذر وهو يجر ازاره وهو يقول : وان رغم أنف أبي ذر.
وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول : وان رغم أنف أبي ذر ". أخرجه الإمام أحمد والشيخان.
وفي رواية لهما عن أبي ذر : قال ﷺ :" قال لي جبريل : بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت : يا جبريل ! وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت : وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت : وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. وان شرب الخمر ".
الخامس : عن جابر قال :" جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله ! ما الموجبتان ؟ قال : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به دخل النار ". أخرجه مسلم(١١) وعبد بن حميد في ( مسنده ).
السادس : عن أبي سعيد الخدري(١٢) قال : قال رسول الله ﷺ :" من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". رواه الإمام أحمد.
السابع : عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال :" قال الله عز وجل : من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ". رواه الطبراني.
الثامن : عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له. ومن توعده على عمل عقابا، فهو فيه بالخيار ". رواه البزار وأبو يعلى.
التاسع : عن ابن عمر، قال :" كنا، معشر أصحاب النبي ﷺ، لا نشك في قاتل النفس، / وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )، فأمسكنا عن الشهادة ". رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١٣).
وفي رواية لابن أبي حاتم :" فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل ".
العاشر : عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال :" ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية :( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ". رواه الترمذي(١٤) وقال : حديث حسن غريب.
الحادي عشر : عن أنس(١٥) رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" قال الله تعالى : يا ابن آدم ! انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم ! انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة ". رواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب. لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
١ |٧/ الأعراف/ ١٦٩| (... وان يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون١٦٩)..
٢ |٩٨/ البينة/ ٦| (... أولئك هم شر البرية٦)..
٣ |٢٢/ الحج/ ١٧| ونصها: (ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد١٧)..
٤ الصفحة رقم ٤٥٠ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..
٥ |٤/ النساء/ ٣١| (... وندخلكم مدخلا كريما٣١)..
٦ أخرجه أحمد في المسند بالصفحة ٢٤٠ من الجزء السادس (طبعة الحلبي)..
٧ |٥/ المائدة/ ٧٢| ونصها: (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار٧٢)..
٨ |٣١/ لقمان/ ١٣| ونصها: (واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم١٣)..
٩ أخرجه في المسند بالصفحة رقم ٩٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
١٠ أخرجه أحمد في المسند بالصفحة ١٦٦ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
وأخرجه البخاري في: ٧٧ –كتاب اللباس، ٢٤ –باب الثياب البيض، حديث ٦٦٠ ومسلم في: ١ –كتاب الايمان، حديث ١٥٤ (طبعتنا)..

١١ أخرجه مسلم في: ١ –كتاب الايمان حديث ١٥١ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه في المسند بالصفحة ٧٩ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
١٣ الأثر رقم ٩٧٣٢..
١٤ أخرجه الترمذي في: ٤٤ –كتاب التفسير، ٥ –سورة المائدة، ٢٣ –حدثنا خلاد بن أسلم..
١٥ أخرجه الترمذي في: ٤٥ –كتاب الدعوات، ٩٨ –باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى