البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الصدقة على وزن سمرة المهر، وقد تسكن الدال، وضمها وفتح الصاد لغة أهل الحجاز.
ويقال : صدقة بوزن غرفة.
وتضم داله فيقال : صدقة وأصدقها أمهرها.
النحلة : العطية عن طيب نفس.
والنحلة الشرعة، ونحلة الإسلام خير النحل.
وفلان ينحل بكذا أي يدين به.
هنيئاً مريئاً : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.
ويقال : هنا يهنا بغير همز، وهنأني الطعام ومرّأني، فإذا لم تذكر هنأني قلت : أمرأني رباعياً، واستعمل مع هنأني ثلاثياً للاتباع.
قال سيبويه : هنيئاً مريئاً صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل، للدلالة التي في الكلام عليه كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئاً مريئاً انتهى.
وقال كثير :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلت
قيل : واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به من الجرب، ويوضع في عقره.
ومنه قوله :
متبذل تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النقب
والمريء ما يساغ في الحلق، ومنه قيل لمجرى الطعام في الحلقوم إلى فم المعدة : المريء.
﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ الظاهر : أن الخطاب للأزواج، لأن الخطاب قبله لهم، قاله : ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن جريج.
قيل : كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول : أرثك وترثيني فتقول : نعم.
فأمروا أن يسرعوا إعطاء المهور.
وقيل : الخطاب لأولياء النساء، وكانت عادة بعض العرب أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام.
قاله : أبو صالح، واختاره : الفراء وابن قتيبة.
وقيل : المراد بالآية ترك ما كان يفعله المتشاغرون من تزويج امرأة بأخرى، وأمروا بضرب المهور قاله : حضرمي، والأمر بإيتاء النساء صدقاتهن نحلة يتناول هذه الصور كلها.
والصدقات المهور.
قال ابن عباس وابن جريج وابن زيد وقتادة : نحلة فريضة.
وقيل : عطية تمليك قاله الكلبي والفراء.
وقيل : شرعة وديناً قاله : ابن الأعرابي.
قال الراغب : والنحلة أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة ولا ينعكس، وسمي الصداق نحلة من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي.
ومن قال : النحلة الفريضة نظر إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق، والآية اقتضت إتيانهن الصداق انتهى.
ودل هذا الأمر على التحرج من التعرض لمهور النساء كما دل الأمر في :﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، وأنهما متساويان في التحريم.
ولما أذن في نكاح الأربع أمر الأزواج والأولياء باجتناب ما كانوا عليه من سنن الجاهلية.
وقرأ الجمهور صدقاتهن جمع صدقة، على وزن سمرة.
وقرأ قتادة وغيره : بإسكان الدال وضم الصاد.
وقرأ مجاهد وموسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم : بضمها.
وقرأ النخعي وابن وثاب : صدقتهن بضمها والافراد، وانتصب نحلة على أنه مصدر على غير الصدر، لأن معنى : وآتوا انحلوا فالنصب فيها بآتوا.
وقيل : بانحلوهن مضمرة.
وقيل : مصدر في موضع الحال، إما عن الفاعلين أي ناحلين، وإما من المفعول الأول أو الثاني أي : منحولات.
وقيل : انتصب على إضمار فعل بمعنى شرع، أي : أنحل الله ذلك نحلة، أي شرعه شرعة وديناً.
وقيل : إذا كان بمعنى شرعة فيجوز انتصابه على أنه مفعول من أجله، أو حال من الصدقات.
وفي قوله : وآتوا النساء صدقاتهن دلالة على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه إلا ما روي عن بعض أهل العراق : أن السيد إذا زوج عبده بأمته لا يجب فيه صداق، وليس في الآية تعرض لمقدار الصداق، ولا لشيء من أحكامه.
وقد تكلم بعض المفسرين في ذلك هنا، ومحل الكلام في ذلك هو كتب الفقه.
﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ الخطاب فيه الخلاف : أهو للأزواج ؟ أو للأولياء ؟ وهو مبني على الخلاف في : وآتوا النساء.
وقال حضرمي : سبب نزولها أن قوماً تحرجوا أن يرجع إليهم شيء ما دفعوا إلى الزوجات، والضمير في : منه، عائد على الصداق قاله : عكرمة.
إذ لو وقع مكان صدقاتهن لكان جائزاً وصار شبيهاً بقولهم : هو أحسن الفتيان وأجمله لصلاحية، هو أحسن فتى.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد، فيكون متناولاً بعضه.
فلو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله، لأن بعض الصدقات واحد منها فصاعداً انتهى.
وأقول : حسن تذكير الضمير، لأن معنى : فإن طبن، فإن طابت كل واحدة، فلذلك قال منه أي : من صداقها، وهو نظير :﴿واعتدت لهن متكأ﴾ أي لكل واحدة، ولذلك أفرد متكأ.
وقيل : يعود على صدقاتهن مسلوكاً به مسلك اسم الإشارة، كأنه قيل عن شيء من ذلك.
واسم الإشارة وإن كان مفرداً قد يشار به إلى مجموع كقوله :﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم﴾ وقد تقدّمت عليه أشياء كثيرة.
وقيل : لرؤبة كيف قلت : كأنه في الجلد توليع البهق، وقد تقدم، فيها خطوط من سواد وبلق.
فقال : أردت كان ذاك.
وقيل : يعود على المال، وهو غير مذكور، ولكن يدل عليه صدقاتهن.
وقيل : يعود على الإيتاء وهو المصدر الدال عليه : وآتوا، قاله الراغب، وذكره ابن عطية.
ويتعلق المجروران بقوله : طبن، ومنه في موضع الصفة لشيء، فيتعلق بمحذوف، وظاهر من التبعيض.
وفيه إشارة إلى أن ما تهبه يكون بعضاً من الصداق، ولذلك ذهب الليث بن سعد إلى أنه لا يجوز تبرعها له إلا باليسير.
وقال ابن عطية : ومن تتضمن الجنس هاهنا.
وكذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك.
وانتصب نفساً على التمييز، وهو من التمييز المنقول من الفاعل.
وإذا جاء التمييز بعد جمع وكان منتصباً عن تمام الجملة، فإما أن يكون موافقاً لما قبله في المعنى، أو مخالفاً فإن كان موافقاً طابقه في الجمعية نحو : كرم الزيدون رجالاً، كما يطابق لو كان خبراً، وإن كان مخالفاً، فإما أن يكون مفرداً لمدلول أو مختلفه، إن كان مفرداً لمدلول لزم إفراد اللفظ الدال كقولك في أبناء رجل واحد : كرم بنو فلان أصلاً وأباً.
وكقولك : زكاة الأتقياء، وجاد الأذكياء وعياً.
وذلك إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع لاختلاف محاله.
وإن كان مختلف المدلول، فإما أن يلبس أفراده لو أفرد، أو لا يلبس.
فإن ألبس وجبت المطابقة نحو : كرم الزيدون آباء، أي : كرم آباء الزيدين.
ولو قلت : كرم الزيدون أباً، لأوهم أن أباهم واحد موصوف بالكرم.
وإن لم يلبس جاز الإفراد والجمع.
والإفراد أولى، كقوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً إذ معلوم أن لكل نفساً، وإنهن لسن مشتركات في نفس واحدة.
وقرّ الزيدون عيناً، ويجوز أنفساً وأعيناً.
وحسن الإفراد أيضاً في الآية ما ذكرناه قبل من محسن تذكير الضمير وإفراده، وهو أن المعنى : فإن طابت كل واحدة عن شيء منه نفساً.
وقال بعض البصريين : أراد بالنفس الهوى.
والهوى مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع.
وجواب الشرط : فكلوه، وهو أمر إباحة.
والمعنى : فانتفعوا به.
وعبر بالأكل لأنه معظم الانتفاع.
وهنيئاً مريئاً أي : شافياً سائغاً.
وقال أبو حمزة : هنيئاً لا إثم فيه، مريئاً لأداء فيه.
وقيل : هنيئاً لذيذاً، مريئاً محمود العاقبة.
وقيل : هنيئاً مريئاً أي ما لا تنغيص فيه.
وقيل : ما ساغ في مجراه ولا غص به من تحساه.
وقيل : هنيئاً مريئاً أي : حلالاً طيباً.
وقرأ الحسن والزهري : هنياً مرياً دون همزة، أبدلوا الهمزة التي هي لام الكلمة ياء، وأدغموا فيها ياء المدّ.
وانتصاب هنيئاً على أنه نعت لمصدر محذوف، أي : فكلوه أكلاً هنيئاً، أو على أنه حال من ضمير المفعول، هكذا أعربه الزمخشري وغيره.
وهو قول مخالف لقول أئمة العربية، لأنه عند سيبويه وغيره : منصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره.
وقد ذكرنا في المفردات نص سيبويه على ذلك.
فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئاً مريئاً من جملة أخرى غير قوله : فكلوه هنيئاً مريئاً، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.
وجماع القول في هنيئاً : أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها.
فإذا قيل : إن فلاناً أصاب خيراً فقلت هنيئاً له، ذلك فالأصل ثبت له ذلك هنيئاً فحذف ثبت، وأقيم هنيئاً مقامه.
واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به ذلك.
فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ثبت، وهنيئاً حال من ذلك، وفي هنيئاً ضمير يعود على ذلك.
وإذا قلت : هنيئاً ولم تقل له ذلك، بل اقتصرت على قولك : هنيئاً، ففيه ضمير مستتر يعود على ذي الحال، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في ثبت المحذوفة.
وذهب الفارسي إلى أن ذلك إذا قلت : هنيئاً له، ذلك مرفوع بهنيئاً القائم مقام الفعل المحذوف، لأنه صار عوضاً منه، فعمل عمله.
كما أنك إذا قلت : زيد في الدار، رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعاً بمستقر، لأنه عوض منه.
ولا يكون في هنيئاً ضمير، لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة.
وإذا قلت : هنيئاً ففيه ضمير فاعل بها، وهو الضمير فاعلاً لثبت، ويكون هنيئاً قد قام مقام الفعل المختزل مفرعاً من الفعل.
وإذا قلت : هنيئاً مريئاً، فاختلفوا في نصب مريء.
فذهب بعضهم : إلى أنه صفة لقولك هنيئاً، وممن ذهب إلى ذلك الحوفي.
وذهب الفارسي : إلى أن انتصابه انتصاب قولك هنيئاً، فالتقدير عنده : ثبت مريئاً، ولا يجوز عنده أن يكون صفة لهنيئاً، من جهة أنَّ هنيئاً لما كان عوضاً من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه، والفعل لا يوصف، فكذلك لا يوصف هو.
وقد ألمّ الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في هنيئاً لكنه حرفه فقال بعد أن قدّم أن انتصابه على أنه وصف للمصدر، أو حال من الضمير في فكلوه أي : كلوه وهو هنيء مريء.
قال : وقد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر، كأنه قيل : هنئاً مرئاً انتهى.
وتحريفه أنه جعلهما أقيما مقام المصدر، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر، ولذلك قال : كأنه قيل هنأ مرأ، فصار كقولك : سقياً ورعياً، أي : هناءة ومراءة.
والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال، وانتصاب مريئاً على ما ذكرناه من الخلاف.
إما على الحال، وإما على الوصف.
ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد هنيئاً مريئاً، ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر.
والمراد بها : الدعاء.
أجاز ذلك فيها تقول : سقياً لك ورعياً، ولا يجوز سقياً الله لك، ولا رعياً الله لك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله فتقول : سقاك الله ورعاك.
والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلت
فما : مرفوع بما تقدّم من هنيء أو مريء.
أو بثبت المحذوفة على اختلاف السيرافي وأبي عليّ على طريق الأعمال.
وجاز الأعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف، لكون مريئاً لا يستعمل إلا تابعاً لهنيئاً، فصارا كأنهما مرتبطان لذلك.
ولو كان ذلك في الفعل لم يجز لو قلت : قام خرج زيد، لم يصح أن يكون من الأعمال إلا على نية حرف العطف.
وذهب بعضهم : إلى أنّ مريئاً يستعمل وحده غير تابع لهنيئاً، ولا يحفظ ذلك من

تفسير هذه الآية من كتب أخرى