روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ عقب بيان سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلاً للمساءة والمسرة، وقدم بيان حال الأولين لأن الكلام فيهم، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا ﷺ، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار﴾ قرأ عبد الله سيدخلهم بالياء والضمير للاسم الجليل، وفي السين تأكيد للوعد، وفي اختيارها هنا واختيار ﴿سَوْفَ﴾ في آية الكفر ما لا يخفى.
﴿خالدين فِيهَا أَبَداً﴾ إعظاماً للمنة وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ وقوله تعالى :﴿لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن، في محل النصب على أنه حال من ( جنات )، أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر. والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار.
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي فيناناً لا وجوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا قرّ، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه برحمته إنه أرحم الراحمين، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو يوم أيوم، وليل أليل وقال الإمام المرزوقي : إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل هو كبسن في قولك : حسن بسن، وقرىء ﴿*يدخلهم﴾ بالياء عطف على ﴿لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ﴾ لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى :﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨].
( هذا ومن باب الإشارة ) :﴿والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي الأعمال التي يصلحون بها لقبول التجليات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف ﴿خالدين فِيهَا أَبَداً﴾ لبقاء أرواحهم المفاوضة عليها ما يروحها ﴿لَّهُمْ فِيهَا أزواج﴾ من التجليات التي يلتذون بها ﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾ من لوث النقص ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] وهو ظل الوجود والصفات الإلهية وذلك بمحو البشرية عنهم، نسأل الله تعالى من فضله فلا فضل إلا فضله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى