الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَن تُؤدُّواْ﴾ : منصوبُ المحلِّ : إمَّا على إسقاط حرف الجر ؛ لأنَّ حَذْفَه يَطَّرِدُ مع " أنْ "، إذا أُمِنَ اللَّبْسُ لطولِهما بالصلة، وإمَّا لأن " أَمَر " يتعدَّى إلى الثاني بنفسِه نحو :" أمرتك الخير ". فعلى الأول يجري الخلافُ في محلِّها : أهي في محلِّ نصبٍ أم جر، وعلى الثاني : هي في محلِّ نصبٍ فقط. وقُرئ " الأمانةَ ".
والظاهرُ أنَّ قوله :﴿أَن تَحْكُمُواْ﴾ معطوفٌ على أَنْ تُؤَدُّوا " أي : يأمركم بتأديةِ الأماناتِ وبالحكمِ بالعدلِ، فيكونُ قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلاف : ذهب الفارسي الى مَنْعِها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقاً. ولننقِّحْ محلِّ الخلاف أولاً فأقول : إنَّ حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو والفاء : هل يجوزُ أن يُفْصَلَ بينه وبين ماعَطَفه بالظرفِ وشِبْهِهِ أم لا ؟ ذهب الفارسي إلى مَنْعِه مستدلاً بأنه إذا كان على حرف واحد فقد ضَعُف، فلا يتوسَّط بينه وبين ما عطفه شيءٌ إلا في ضروة كقوله :
يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ العَضْب ويوماً أَدِيمَها نَغِلا
تقديره :" وترى أديمها نَغِلاً يوماً " فَفَصَل ب " يوماً. وذهب غيرُه إلى جوازِه مُسْتَدِلاًّ بقوله :﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[البقرة: ٢٠١] ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً﴾ [يس: ٩] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ. . . . .﴾ الآية.
وقال صاحب هذا القول : إن المعطوف عليه إذا كان مجروراً بحرف أُعيد ذلك الحرفُ مع المعطوفِ نحو :" امرُرْ بزيدٍ وغداً بعمروٍ " وهذه الشواهدُ لا دليلَ فيها : أمَّا " في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً " وقوله :" وجَعَلْنَا من بينِ أيديهم " فلأنَّه عَطَفَ شيئين على شيئين : عَطَفَ " الآخرة " على " الدنيا " بإعادة الخافضِ، وعَطَفَ " حسنةً " الثانيةَ على " حسنةً " الأولى، وكذلك عطف " مِنْ خلفهم " على " من بين "، و " سداً " على " سداً " وكذلك البيت عطف فيه " أَدِيمَها " على المفعولِ الأولِ ل " تَراها " و " نَغِلا " على الثاني وهو " كشِبْه " و " يوماً " الثاني على " يوماً " الأول، فلا فصلَ فيه حينئذ، وحينئذ يقال : ينبغي لأبي عليّ أن يمنعَ مطلقاً، ولا يَسْتثني الضرورة، فإن ما استشهد به مؤولٌ عل ما ذَكَرْتُ. فإنْ قيل : إنَّما لم يجعلْه أبو علي من ذلك لأنه يؤدِّي إلى تخصيصِ الظرفِ الثاني بما وَقَعَ في الأولِ، وهو انه تراها كشِبْه أردية العَضْب في اليوم الأول والثاني ؛ لأنَّ حكمَ المعطوف حكمُ المعطوفِ عليه فهو نظيرُ قولك :" ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت، ف " يومَ السبت " مقيَّدٌ بضربِ زيد كما يُقيَّد به يوم الجمعة، لكن الغرض أن اليوم الثاني في البيت مُقَيَّدٌ بقيد آخر وهو رؤية أَديمِها نَغِلا، فالجواب : انه لو تُرِكنا والظاهرَ من غيرِ تقييد الظرف الثاني بمعنى آخر كان الحكمُ كما ذكرت ؛ لأنه الظاهرُ كما ذكرت في مثالك :" ضربت زيداً يوم الجمعة ويوم السبت " أمَّا إذا قَيَّدْته بشي آخر فقد تُرك ذلك الظاهرُ لهذا النصِّ، ألا تراكَ تقول :" ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً يوم السبت " فكذلك هذا، وهو موضعٌ يحتاج لتأمل.
وأمَّا " فبشَّرناها بإسحاق " ف " يعقوب " ليس مجروراً عطفاً على " إسحاق " بل منصوباً بإضمار فعل أي : ووهبا لها يعقوب، ويدل عليه قراءة الرفع فإنها مؤذنةٌ بانقطاعِه من البشارة به، كيف وقد تقدَّم أنَّ هذا القائَل يقول : إنه متى كان المعطوفُ عليه مجروراً ؟ أُعيد مع المعطوفِ الجارُّ. وأمَّا ﴿أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ﴾ فلا دلالة فيها أيضاً لأنَّ " إذا " ظرفٌ لا بدل له من عامل، وعاملُه : إمَّا " أَنْ تَحْكُموا " وهو الظاهرُ / من حيث المعنى، وإمَّا " يأمُركم "، فالأول ممتنعٌ وإنْ كان المعنى عليه ؛ لأنَّ ما في حَيِّزِ الموصول لا يتقدَّمُ عليه عند البصريين، وأما الكوفيون فيُجيزون ذلك، ومنه الآيةُ عندهم، واستدلُّوا بقوله :
كان جَزائي بالعصا أَنْ أُجْلَدا ***
وقد جاء ذلك في المفعول الصريح في قوله :
١٥٩٧. . . . . . . . . . . .وشفاءُ غَيِّك خابراً أَنْ تَسْألي
فكيف بالظرفِ وشبهِه ؟ والثاني ممتنعٌ أيضاً لأنَّ الأمرَ ليس واقعاً وقت الحكم، كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ، وإذا بَطَل هذان فالعامل فيه مقدرٌ يفسِّره ما بعدَه تقديُره : وأَنْ تحكموا إذا حكمتم، و " أن " تحكموا " الآخيرةُ دالةٌ على الأولى.
قوله :﴿بِالْعَدْلِ﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما : أن يتعلق ب " تحكموا " فتكونَ الباءُ للتعدية. والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من فاعل " تَحْكُموا " فتكونَ الباءُ للمصاحبَة اي : ملتبسين بالعدل مصاحبين له، والمعنيان متلازمان.
قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على " ما " المتصلة ب " نعم " وبئس " وما ذكر الناسُ فيها فعليك بمراجعته. إلا أن ابن عطية نقل هنا نَقْلاً لا يَبْعُد مِنْ وَهْمٍ، فلا بُدَّ من ذكره قال : و " ما " المردفةُ على " نِعْم " إنما هي المهيئةُ لاتصالِ الفعل بها، كما هي في " ربما " و " مِمَّا " في قولِه :" وكان رسولُ الله عليه السلام مِمَّا يحرِّك شفتيه " وكقوله :
وإنَّا لَمِمَّا نضربُ الكبشَ ضربةًعلى رأسِه تُلْقي اللسانَ من الفم
وفي هذا هي بمنزلة " ربما "، وهي لها مخالفةٌ في المعنى، لأن " ربما " للتقليل و " مِمَّا " للتكثير، ومع أن " ما " موطئة فهي بمعنى الذي، وما وَطَّأتْ إلا وهي اسم، ولكنَّ القصدَ إنما هو لِما يليها من المعنى الذي في الفعل " قال الشيخ :" وهذا متهافتٌ ؛ لأنه من حيث جَعَلَها موطئةً مهيئةً لا تكون اسماً، ومِنْ حيثُ جَعلَها بمعنى " الذي " يلزم أن تكونَ اسماً فتدافعا ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى