مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
ولما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله ﴿ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمر ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ﴾ فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول﴾ أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم لقوله عليه السلام " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". وحكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم : ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله : و«أولي الأمر منكم » ؟ فقال أبو حازم : أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق. بقوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله » أي القرآن و«الرسول » في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الرد أي الرد إلى الكتاب والسنة ﴿خَيْرٌ﴾ عاجلاً ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ عاقبة كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ لعلمه أنه لا يرتشي ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه، فاحتكما إلى النبي عليه السلام فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال : تعال نتحاكم إلى عمر. فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه : قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : نعم. فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل.