المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
تقول العرب : زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وتتقوى فيه شبه الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنوناً، يقال :«زَعم » بفتح الزاي وهو المصدر، «وزُعم » بضمها وهو الاسم(١) وكذلك زعم المنافقين أنهم مؤمنون، هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم، ومن هذا قول النبي ﷺ :«بئس مطية الرجل زعموا »(٢) وقد قال الأعشى :[ المتقارب ]
ونُبّئْتُ قَيْساً وَلَمْ أبْلُهُكَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ الْيَمَنْ(٣)
فقال الممدوح : وما هو إلا الزعم وحرمه، وإذا قال سيبويه : زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى رتب «زعم » أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر، و «أن » معمولة ل ﴿يزعمون﴾ وقال عامر الشعبي وغيره : نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم رجلاً من اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، وكان هو يدعو اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهناً كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما، «فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل » على محمد هم المنافقون، «والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل » من قبله هم اليهود، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، و ﴿الطاغوت﴾ هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين، وقال ابن عباس :﴿الطاغوت﴾ هنا هو كعب بن الأشرف وهو الذي تراضيا به فعلى هذا إنما يؤنب صنف المنافقين وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله بزعمهم، لأن اليهود لم يؤمروا في شرعهم بالكفر بالأحبار، وكعب منهم، وذكر النقاش : أن كعباً هذا أصله من طيىء وتهود. وقال مجاهد : نزلت في مؤمن ويهودي، وقالت فرقة : نزلت في يهوديين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية، وقال السدي : نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، وذلك أنهم تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت، وتستقيد إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة(٤)، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي ﷺ، ودعا المنافقون إلى أبي بردة الكاهن، فنزلت الآية فيهم، وحكى الزجّاج : أن المنافق المتقدم الذكر أو غيره اختصم عند النبي ﷺ فقضى في أمره، فخرج وقال لخصمه : لا أرضى بحكمه، فذهبا إلى أبي بكر فقضى بينهما، فقال المنافق : لا أرضى، فذهبا إلى عمر فوصفا له جميع ما فعلا، فقال لهما : اصبرا حتى أقضي حاجة في منزلي ثم أخرج فأحكم بينكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج، فضرب المنافق حتى برد(٥)، وقال : هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم رسول الله ﷺ، فنزلت الآية(٦)، وقال الحسن : احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت الآية.
و ﴿يضلهم﴾ معناه : يتلفهم، وجاء ﴿ضلالاً﴾ على غير المصدر تقديره :«فيضلون ضلالاً »، و ﴿بعيداً﴾ عبارة عن عظم الضلال وتمكنه حتى يبعد الرجوع عنه والاهتداء معه.
١ - في اللسان: "الزّعم، والزُّعم، والزِّعم ثلاث لغات"- وقال ابن دريد: أكثر ما يقع الزعم على الباطل، قال أبو ذؤيب الهذلي:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل.
وقال غيره:
زعمتني شيخا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدبّ دبيبا
.

٢ - شبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه، ويتوصل به إلى غرضه من قوله: "زعموا كذا وكذا" بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة..
٣ - لم أبله: لم أجربه ولم أختبره، والبيت من قصيدته التي قالها يمدح قيس بن معد يكرب الكندي، ومطلعها:
لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معنّ
ومعنى (معن): متعب. وبعد هذا البيت يقول:
رفيع الوساد، طويل النجا د ضخم الدسيعة، رحب العطن
والدّسيعة: الجفنة الواسعة أو المائدة الكريمة، ورحب العطن: واسع الصبر والحيلة عند الشدائد، وسخي كثير المال وضده: ضيق العطن..

٤ -المنافرة: المفاخرة والمحاكمة، وتكون في الحسب. وقال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما غيرهما. (عن اللسان). وهذا الخبر أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي.
.

٥ - برَد- بفتح الباء والراء: أي مات. وفي عبارة "البحر المحيط": "فقتله عمر".
٦ -أخرجه الثعلبي عن ابن عباس، ورواه أبو صالح أيضا عن ابن عباس. وفيه بعد ذلك: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفارق)، ونزل جبريل وقال: "إن عمر فرق بين الحق والباطل" فسمي الفاروق. عن "الدر المنثور، والقرطبي"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى