تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٦٩
وقوله تعالى :﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾الآية. قيل في بعض القصة : إن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فبكى، ثم قال : والذي لا إله غيره لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء، فأنظر إليك لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك ومنزلتك في الجنة، وترفع مع النبيين، فإني وإن دخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك، فما أجابني النبي ﷺ شيئا، فأنزل الله تعالى :﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾الآية.
قال(١) رسول الله ﷺ : خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأى ( على )(٢) وجوههم كآبة وجزعا، قال : فقال النبي ﷺ : ما لكم ؟ وما غير وجوهكم ولونكم ؟ فقالوا : يا رسول الله ما بنا من مرض ولا وجع غير أنا إذا لم نرك، ولم نلقك، اشتقن إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من اجل ذلك. ونذكرك بالآخرة فنخاف ألا نراك هناك. فأنزل الله تعالى الآية :﴿ومن يطع الله/١٠٢-أ/ والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾ الآية.
ويحتمل أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه أخر :
أحدها : أن اليهود وغيرهم من الكفرة والذين آذوا رسول الله ﷺ وفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه وطاعتهم له، ظنوا أنهم، وإن أسلموا، وأطاعوا الرسول ﷺ لم يقبل ذلك منهم : توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر عز وجل أنه إذا أطاع( المرء )(٣) الله والرسول فيكون﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ كأن لم يترك طاعته، والله أعلم، كما قال الله تعالى :﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ( الأنفال : ٣٨ ).
والثاني (٤) : أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا، فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء ليبعد بعضهم من بعض، فأخر عز وجل أن يكون لهم الاجتماع ؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.
والثالث(٥) : أن يكون على الابتداء : أن من أطاع الله تعالى ورسوله ﷺ فسيكون﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ في دار واحدة، لا يكونون في غيرها (٦).
فهذه الوجوه كأنها أشبه، واله أعلم، إذا(٧) هم في الطاعة أجابوا، والله أعلم.
ثم اختلف في ﴿والصديقين﴾ قال بعضهم : أتباع الأنبياء ﷺ وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة. وقيل : الصديق(٨)، هو الذي يصدق الرسول ﷺ في أول دعوة دعاه إلى دين الله تعالى، وفي أول ما عاينه.
وقوله تعالى :﴿والشهداء﴾ قيل : الشهيد الذي قتل في سبيل الله، وقيل : الشهيد هو القائم بدينه، وقيل :﴿والصديقين والشهداء والصالحين﴾ كله واحد.
١ في الأصل وم: فقال..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يحتمل..
٥ في الأصل وم: يحتمل..
٦ في الأصل وم: غيره..
٧ في الأصل وم: إذ..
٨ في الأصل وم: الصديقين..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى