فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ﴾ التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد : المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج، ويقعدون غيرهم. والمعنى : أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقاً من يبطيء المؤمنين ويثبطهم، واللام في قوله :" لِمَنْ " لام توكيد، وفي قوله :﴿ليُبَطّئَنَّ﴾ لام جواب القسم، و «من » في موضع نصب، وصلتها الجملة. وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي ﴿ليُبَطّئَنَّ﴾ بالتخفيف ﴿فَإِنْ أصابتكم مصِيبَةٌ﴾ من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا المنافق قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فانفروا ثُبَاتٍ﴾ قال : عصباً، يعني سرايا متفرقين ﴿أَوِ انفروا جَمِيعاً﴾ يعني كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه قال في سورة النساء :﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً﴾ نسختها :
﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿ثُبَاتٍ﴾ أي : فرقاً قليلاً. وأخرج عن قتادة في قوله :﴿أَوِ انفروا جَمِيعاً﴾ أي : إذا نفر نبي الله ﷺ، فليس لأحد أن يتخلف عنه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن ليُبَطّئَنَّ﴾ إلى قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في الآية قال : هو فيما بلغنا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ يعني : يقاتل المشركين ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ في طاعة الله ﴿وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ﴾ يعني : يقتله العدوّ ﴿أَو يَغْلِبْ﴾ يعني : يغلب العدوّ من المشركين ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني : جزاءً وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿فِى سَبِيلِ الله والمستضعفين﴾ قال : وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير، عن الزهري قال : وسبيل المستضعفين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه من طريق العوفي قال : المستضعفون أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري، عنه قال :«أنا وأمي من المستضعفين» وأخرج ابن جرير، عنه قال : القرية الظالم أهلها مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : إذا رأيتم الشيطان، فلا تخافوه، واحملوا عليه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾. قال مجاهد : كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى