المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وإن منكم﴾ ﴿إن﴾ إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، والمراد ب «من » المنافقون وعبر عنهم ب ﴿منكم﴾ إذ هم في عداد المؤمنين، ومنتحلون دعوتهم، واللام الداخلة على «من » لام التأكيد، ودخلت على اسم ﴿إن﴾ لما كان الخبر متقدماً في المجرور، وذلك مهيع في كلامهم، كقولك : إن في الدار لزيداً، واللام الداخلة على ﴿يبطئن﴾ لام قسم عند الجمهور، تقديره ﴿وإن منكم لمن﴾ والله ﴿ليبطئن﴾ وقيل : هي لام تأكيد، و ﴿يبطئن﴾ معناه : يبطىء غيره أي يثبطه ويحمله على التخلف عن مغازي رسول الله ﷺ، وقرأ مجاهد «ليبطئن » بالتخفيف في الطاء، و ﴿مصيبة﴾ يعني من قتل واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما شاءه الله تعالى، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة لحسن مآلها(١)، و ﴿شهيداً﴾ معناه مشاهداً فالمعنى : أن المنافق يسره غيبه إذا كانت شدة وذلك يدل على أن تخلفه إنما هو فزع من القتال ونكول عن الجهاد.
١ - وقيل: المصيبة الهزيمة، سميت بذلك لما يلحق الإنسان فيها من العار بتولية الأدبار، ومن العرب من يختار الموت على الهزيمة كما قال أبو تمام:
وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعـر
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر.
وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعـر
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر.