المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ولئن أصابكم فضل من الله﴾ الآية، المعنى ولئن ظفرتم وغنمتم وكل ذلك من فضل الله، ندم المنافق إن لم يحضر ويصب الغنيمة، وقال :﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً﴾ متمنياً شيئاً قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في عهده، لأن المؤمن إنما يتمنى مثل هذا إذا كان المانع له من الحضور عذراً واضحاً، وأمراً لا قدرة له معه، فهو يتأسف بعد ذلك على فوات الخير، والمنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين، فعلى هذا يجيء قوله تعالى :﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾ التفاتة بليغة، واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم.
وحكى الطبري عن قتادة وابن جريج، أنهما كانا يتأولان قول المنافق ﴿يا ليتني كنت معهم﴾ على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغيبة، وقرأ الحسن ﴿ليقولُن﴾ بضم اللام على معنى «من » وضم اللام لتدل على الواو المحذوفة، ويدل مجموع هاتين الآيتين على أن خارج المنافقين إنما كان يقصد الغنيمة، ومتخلفهم إنما كان يقصد الشك وتربص الدوائر بالمؤمنين و ﴿كأن﴾ مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر وإنما تجيء بعدها الجمل(١)، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص «تكن » بتاء، وقرأ غيرهما «يكن » بياء، وذلك حسن للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، وقوله :﴿فأفوز﴾ نصب بالفاء في جواب التمني، وقرأ الحسن ويزيد النحوي ﴿فأفوز﴾ بالرفع على القطع والاستئناف، التقدير : فأنا أفوز : قال روح : لم يجعل ل «ليت » جواباً، وقال الزجّاج : إن قوله :﴿كأن لم يكن بينكم وبينه مودة﴾ مؤخر. وإنما موضعه فإن أصابتكم مصيبة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام.
١ - يتمشى قول ابن عطية على مذهب الكوفيين، أما على مذهب البصريين فلا، وقد علق أبو حيان في "البحر المحيط" على كلام ابن عطية هذا فقال: "وهذا الذي ذكره غير محرر ولا على اطلاقه". وارجع إليه إن أردت البيان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى