اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ﴾ فاعل، " فليقاتل " و " يشرون " يحتمل وَجهيْن :
أحدهما : أن يكون بمعْنَى : يَشْتَرُون.
فإن قيل : قد تقرّر أن البَاء إنما تَدْخُل على المَتْرُوك(١)، والظَّاهرُ هنا أنها دخَلَتْ على المأخُوذ :
فالجواب : أن المراد ب " الذين يشترون " المُنَافقون المبطِّئون عن الجِهَادِ أمروا بأنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمان باللَّه ورسُولِهِ ويُجَاهِدُوا في سَبِيل اللَّه، فلم نَدْخُل(٢) إلا على المَتْرُوك(٣) ؛ لأن المُنَافِقِين تاركون للآخِرَةِ(٤) آخِذُون للدُّنْيَا، وتقدير الكَلاَمِ : فَلْيُقَاتِل الذين يَخْتَارُون الحياة الدُّنْيَا، وعلى هذا التقدير فلا، بل حَذْفٌ تقديره : آمِنُوا ثم قَاتِلُوا ؛ لاستحالة حُصُول الأمْرِ بشَرَائِعِ الإسْلام قبل حُصُول الإسْلامِ.
الثاني : أن " يشرون " بمعنى : يَبِيعُون.
قال ابْنُ مُفَرِّعٍ :[ مجزوء الكامل ]
وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِيمِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ(٥)
قالوا : وبَرْد هو غلامه، وشريتُه بمعنى : بِعْتُه، وتَمَنَّى الموت بعد [ بَيْعِه ](٦) فيكُون المراد بالذين يَشْرُون : المؤمِنُون المُتَخَلِّفُون عن الجِهَادِ ؛ المؤثِرُون الآجِلَة على العَاجِلَة، وتصير هذه الآية في كَوْنِ شَرَى تحتمل الاشْتِرَاء والبَيْعِ باعْتِبَارَيْنِ ؛ قوله - تعالى - :﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] على ما سَيَأتِي - إن شاء الله تعالى - وقد تقدم شيء من هذا أوَّل البقرة [ الآية ١٦ ] والجمهور على سُكُون لام " فليقاتل " لأنها وَقَعَتْ بعد الفَاءِ [ والواو ] فأشبهَت اللفظة اكتفاءً، وقرئ بكسرها، وهو الأصل وأجاز إسْكانَها وكَسْرَهَا كهذه الآية، وقوله - تعالى - :﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد قرئ بهما. والجمهور(٧) على بناء " فيقتل " للمفعُول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل.
والأوَّل أظهر ؛ لقوله :﴿أَو يَغْلِبْ﴾ [ " ويقتل " ](٨) " ويغلب " عطف على شَرْط، والفَاءُ في " فسوف " جوابُهُ لا يجُوزُ حَذْفُهَا والمشهور [ إظهار ](٩) هذه الباءِ عند الفَاءِ، وأدْغَمَها أبُو عمرو والكسائي، وهِشَام وخلاد بخلاف عَنْه.
والجمهور على " نؤتيه " بنون العظمة، وطَلْحَة بن مصرف والأعمش : بياء الغَيْبَة، وهما ظَاهِرَتَانِ.
وقدم قوله " فيقتل " لأنها دَرَجَة شهادة وهي أعْظَم من غَيْرِهَا، وثَنَّى بالغَلَبَة، وهي تَشْمَل نوعين : قتل أعْدَاء اللَّه، والظَّفَر بالغَنِيمَة، والأولى أعْظَم من الثَّانِية. انتهى.

فصل


المعنى : أن من قَاتَل في سَبيل اللَّهِ سواءٌ(١٠) صار مَقْتُولاً لِلكُفَّار، أو غالباً، فسوف نُؤتيه أجْراً عظيماً، ولا واسطة بَيْن هَاتَيْن الحَالَتَيْنِ. [ و ](١١) إذا كان الأجْر حَاصِلاً على كُلِّ تَقدِير، لم يكُن عملٌ أشْرَف من الجِهَادِ، وهذا يَدُلُّ على أن المُجاهِد لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّن نَفْسَهُ على أنَّه لا بُدَّ مِنْ أحد أمْرَيْن : إمَّا أن يَقْتُله العَدُّوُّ(١٢) (١٣)، وإمّا أن يغلبَ، فإذا عَزَم على ذَلِك، لم يفرَّ عن خَصْمه، ولم يُحْجِم عن المُحَارَبة، وإن دخل على غَيْر هذا [ العَزْم ](١٤) فما أسْرَعَ فِرَارَهُ.
روى أبو هُرَيْرَة ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" تكَفَّل اللَّه لِمَن جَاهَد في سبيل اللَّه [ لا يُخرِجُهُ إلا جِهَادٌ في سَبِيلِه ](١٥) وتصدِيِق كلمته، بأن يُدخلَه الجَنَّة، أو يرجعه إلى مَسْكَنِه الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مع ما نال من أجرٍ أو غَنِيمَةٍ " (١٦).
وعن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - ؛ أن رسُول الله ﷺ قال :" مثلُ المُجَاهِد في سَبِيل اللَّه ؛ كمثل القَانِتِ الصَّائم الَّذي لا يَفْتُر من صلاةٍ ولا صيامٍ، حتى يُرجِعه الله إلى أهْلِهِ بما يرجعُه من غَنِيمَة وأجْرٍ، أو يتوفَّاه فَيَدْخُل الجَنَّة " (١٧).
١ في ب: المبدول..
٢ في ب: يدخل..
٣ في ب: المبدول..
٤ في ب: باذلون الآخرة..
٥ ينظر: اللسان "شري"، والرازي ١٠/١٤٤..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧٨، والبحر المحيط ٣/٣٠٧، والدر المصون ٢/٣٩٣..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: فنوى القتال سواء..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: القدر..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: سكنه..
١٦ أخرجه البخاري في كتاب الخمس: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحلت لكم الغنائم (٣١٢٣): كتاب التوحيد: باب "ولقد سبقت كلمتنا" (٧٤٥٧) ومسلم كتاب الإمارة باب ٢٨ والنسائي كتاب الجهاد ب ١٢ والبيهقي (٩/١٥٧) ومالك في "الموطأ" (٤٤٣) وسعيد بن منصور (٢٣١١، ٢٣١٢) من حديث أبي هريرة..
١٧ أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/٤٤٣ ـ ٤٤٤) كتاب الجهاد: باب الترغيب في الجهاد (١) والبخاري (٦/٢٠) كتاب الجهاد والسير: باب تمني الشهادة (٢٧٩٧) ومسلم (٣/١٤٩٨) كتاب الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله (١١٠/١٨٧٨) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى