جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بالآخرة وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾. .
وهذا حضّ من الله المؤمنين على جهاد عدوّه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاون بأحوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وقع جهادهم إياهم مغلوبين كانوا أو غالبين¹ منزلة من الله رفيعة. يقول الله لهم جلّ ثناؤه :﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ يعني : في دين الله والدعاء إليه والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، ﴿الّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدّنْيا بالاَخِرَةِ﴾ يعني : الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الاَخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعهم إياها بها، إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله، كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك. أخبر جلّ ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه، فقال :﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيْقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما﴾ يقول : ومن يقاتل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله أعداء الله، فيقتل، يقول : فيقتله أعداء الله أو يغلبهم، فيظفر بهم¹ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما﴾ يقول : فسوف نعطيه في الاَخرة ثوابا وأجرا عظيما. وليس لما سمي جلّ ثناؤه عظيما مقدار يعرف مبلغه عباد الله. وقد دللنا على أن الأغلب على معنى «شريت » في كلام العرب «بعت » بما أغنى. وقد :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدّنْيا بالاَخِرَةِ﴾ يقول : يبيعون الحياة الدنيا بالاَخرة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدّنْيَا بالاَخِرَةِ﴾ فيشري : يبيع، ويشري : يأخذ، وإن الحمقى باعوا الدنيا بالاَخرة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم = غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، (١) [وأن لهم في] جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة. (٢)
* * *
يقول الله لهم جل ثناؤه:"فليقاتل في سبيل الله"، يعني: في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به ="الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة"، يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، (٣) وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك.
* * *
أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه فقال:"ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا"، يقول: ومن يقاتل - في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله - أعداءَ الله ="فيقتل"، يقول: فيقتله أعداء الله، أو يغلبهم
وقوله: "والتهاون" عطف على قوله: "وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه".
(٢) كان مكان ما بين القوسين في المخطوطة والمطبوعة: "وقع" وهو كلام لا يستقيم البتة، فاستظهرت أن يكون صواب سياقه ما أثبت، أو ما يشبهه من القول.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "كجهاد من أمر بجهاده"، وصواب السياق"لجهاد........" كما أثبتها.
* * *
وقد دللنا على أن الأغلب على معنى:"شريت"، في كلام العرب:"بعت"، بما أغنى [عن إعادته]، (٢)
وقد:-
٩٩٤٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة"، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.
٩٩٤٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"يشرون الحياة الدنيا بالآخرة"، فـ "يشري": يبيع، و"يشري": يأخذ = وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا.
* * *
(٢) انظر تفسير"شرى" و"اشترى" فيما سلف ١: ٣١٢- ٣١٥ / ٢: ٣٤٠- ٣٤٢، ٤٥٥ / ٣: ٣٢٨ / ٤: ٢٤٦ / ٦: ٥٢٧ / ٧: ٤٢٠، ٤٥٩ / ٨: ٤٢٨
وزدت ما بين القوسين، جريًا على نهج عبارته في مئات من المواضع السالفة، والظاهر أن الناسخ نسى أن يكتبها، لأن"بما أغنى" وقعت في آخر الصفحة، ثم قلب الورقة إلى الصفحة التالية، وكتب"وقد".