كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم أيُّها المؤمنون في تَرْكِ الجهادِ مع اجتماعِ الأسباب الموجبَة للتحريضِ عليهِ، وقولهُ تعالى :﴿لاَ تُقَاتِلُونَ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال كأنهُ قال : وَمَا لََكُمْ تَاركِيْنَ الْجِهَادَ ؟ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾[المدثر: ٤٩].
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ؛ في موضعِ خَفْضٍ بإضمار (في) ؛ معناهُ : وفِي بيان المستضعفينَ ؛ أي وفي نُصْرَةِ المستضعفينَ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : وعَنِ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ ؛ أي لِلذب عن المستضعفينَ، ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ؛ الذين هم بمَكَّةَ وَيَلْقَوْنَ فيها أذىً كثيراً وهم : سَلَمَةَُ بْنُ هِشَامٍ وَالْوَلِيْدُ بْنُ الْوَلِيْدِ وَعبَّاسُ بْنُ رَبيعَةَ وغيرَهم، كانوا أسْلَمُوا بمَكَّةَ فأراد عشائِرُهم من أهلِ مكَّة بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ أن يفتنوهم عنِ الإسلامِ. يقولُ الله تعالى : مَا تُقَاتِلُونَ المشركينَ في خَلاَصِ هؤلاء الضُّعفاءِ ؛ ﴿الَّذِينَ﴾ ؛ يسألونَ اللهَ ؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ أي خَلِّصْنَا من هذه القَرْيَةِ ؛ يَعْنُونَ مَكَّةَ ؛ ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ؛ أي الكفَّارُ أهلُها، ﴿وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ؛ أي مِن عندك حَافِظاً يحفظُنا من أذاهُم، ﴿وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ﴾ ؛ مِنْ عِنْدِكَ ؛ ﴿نَصِيراً﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمْنَعُنَا منهم. فاستجابَ اللهُ دعاءَهم، وجعلَ لَهم النبيَّ ﷺ حافِظاً وناصِراً بفتحِ مكة على يديهِ، واستعملَ عليهم عَتَّابَ بنَ أُسَيْدِ، عتاب يُنْصِفُ الضعيفَ من الشديدِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى