المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
قالت فرقة :﴿ما﴾ شرطية، ودخلت ﴿من﴾ بعدها لأن الشرط ليس بواجب فأشبه النفي الذي تدخله ﴿من﴾، وقالت فرقة ﴿ما﴾ بمعنى الذي، و ﴿من﴾ لبيان الجنس، لأن المصيب للإنسان أشياء كثيرة : حسنة وسيئة، ورخاء وشدة، وغير ذلك، والخطاب للنبي ﷺ، وغيره داخل في المعنى، وقيل : الخطاب للمرء على الجملة، ومعنى هذه الآية عند ابن عباس وقتادة والحسن والربيع وابن زيد وأبي صالح وغيرهم، القطع واستئناف الإخبار من الله تعالى، بأن الحسنة منه وبفضله، والسيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من الله بالخلق والاختراع، وفي مصحف ابن مسعود، «فمن نفسك » «وأنا قضيتها عليك »(١) وقرأ بها ابن عباس، وحكى أبو عمرو أنها في مصحف ابن مسعود «وأنا كتبتها » وروي أن أبياً وابن مسعود قرآ «وأنا قدرتها عليك » ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي عليه السلام معناها : أن ما يصيب ابن آدم من المصائب، فإنما هي عقوبة ذنوبه، ومن ذلك أن أبا بكر الصديق لما نزلت ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾(٢) جزع فقال له رسول الله ﷺ، «ألست تمرض ؟ ألست تسقم ؟ ألست تغتم ؟ »(٣) وقال أيضاً عليه السلام :«ما يصيب الرجل خدشة عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر »(٤) ففي هذا بيان أو تلك كلها مجازاة على ما يقع من الإنسان، وقالت طائفة : معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله :﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله﴾ [النساء: ٧٨] على تقدير حذف يقولون، فتقديره : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون : ما أصابك من حسنة، ويجيء القطع على هذا القول من قوله :﴿وأرسلنا﴾ وقالت طائفة : بل القطع في الآية من أولها، والآية مضمنة الإخبار أن الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾، على جهة الإنكار والتقرير(٥)، فعلى هذه المقالة ألف الاستفهام محذوفة من الكلام(٦)، وحكى هذا القول المهدوي، و ﴿رسولاً﴾ نصب على الحال، وهي حال تتضمن معنى التأكيد في قوله تعالى، ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ ثم تلاه بقوله :﴿وكفى بالله شهيداً﴾ توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيداً على من كذبه.
١ - قال القرطبي رحمه الله تعليقا على ذلك: "هذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع، لأن مجاهدا لم ير عبد الله ولا أبيا"..
٢ - من قوله تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ في الآية (١٢٣) من سورة (النساء)..
٣ - أخرجه ابن جرير عن عائشة، وأخرجه أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم والترمذي وغيرهم عن أبي بكر (الدر المنثور)..
٤ - أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: [وما أصابك من سيئة فمن نفسك] قال: "عقوبة بذنبك يا ابن آدم". قال: "وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: (لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر). (الدر المنثور)..
٥ - هكذا في الأصول، ولعلها: "والتقريع"، أو يكون المراد: الإنكار عليهم مع تقريرهم بالخبر..
٦ - حذف ألف الاستفهام من الكلام كثير، ومنه: [وتلك نعمة تمنها عليّ]، أي: أو تلك نعمة؟ وقوله تعالى: ﴿فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي﴾، أي: أهذا ربي؟ وقول أبي خراش الهذلي:
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم؟
أي: أهم هم؟.
٢ - من قوله تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ في الآية (١٢٣) من سورة (النساء)..
٣ - أخرجه ابن جرير عن عائشة، وأخرجه أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم والترمذي وغيرهم عن أبي بكر (الدر المنثور)..
٤ - أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: [وما أصابك من سيئة فمن نفسك] قال: "عقوبة بذنبك يا ابن آدم". قال: "وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: (لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر). (الدر المنثور)..
٥ - هكذا في الأصول، ولعلها: "والتقريع"، أو يكون المراد: الإنكار عليهم مع تقريرهم بالخبر..
٦ - حذف ألف الاستفهام من الكلام كثير، ومنه: [وتلك نعمة تمنها عليّ]، أي: أو تلك نعمة؟ وقوله تعالى: ﴿فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي﴾، أي: أهذا ربي؟ وقول أبي خراش الهذلي:
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم؟
أي: أهم هم؟.