فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿ما أصابك من حسنة﴾ هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول الله ﷺ أي ما أصابك من خصب ورخاء وخير ونعمة وصحة وسلامة ﴿فمن الله﴾ بفضله ورحمته إحسانا منه إليك، وتفضلا منه عليك ﴿وما أصابك من سيئة﴾ أي جهد وبلاء وشدة ومكروه ومشقة وأذى ﴿فمن نفسك﴾ أي بذنب أتيته وخطيئة اكتسبتها نفسك فعوقبت عليه، وقيل هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا، وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي أفمن نفسك ومثله قوله تعالى ﴿وتلك نعمة تمنها على﴾ والمعنى أو تلك نعمة ومثله قوله تعالى ﴿فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي﴾ أي أهذا ربي.
وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد هذه الآية كقوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ وقوله ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾.
وقد يظن أن قوله ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ مناف لقوله ﴿كل من عند الله﴾ ولقوله ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ وقوله ﴿نبلوكم بالشر والخير والفتنة﴾ وقوله ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.
وليس الأمر كذلك فالجمع ممكن فإضافة الأشياء كلها إلى الله حقيقة، وإلى فعل العبد مجازية، قال قتادة : حسنة أي نعمة وسيئة أي مصيبة ﴿كل من عند الله﴾ أي النعم والمصائب، وعن أبي العالية قال : إن تصبهم حسنة هذه في السراء والضراء ﴿وما أصابك من حسنة﴾ قال : هذه في الحسنات والسيآت.
وعن ابن عباس قال : الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك وأما السيئة فابتلاه بها، وما أصابك من سيئة قال : ما أصابه يوم أحد أن شج وجهه وكسرت رباعيته.
وقد تعلق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله السيئة عن نفسه، ونسبها إلى الإنسان ولا متعلق لهم بها لأنه ليس المراد منها الكسب، بل ما يصيب الناس من النعم والمحن، ولو كانت على ما يقول أهل القدر لقال أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك، وقال ابن الأنباري : الفعلان راجعان إلى الله يعني ما أصابك الله به من حسنة ومن سيئة.
﴿وأرسلناك للناس رسولا﴾ فيه البيان لعموم رسالته ﷺ إلى الجميع كما يفيده التأكيد بالمصدر والعموم في الناس ومثله قوله ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ وقوله ﴿يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾ وفيه جلالة منصبه ومكانته عند الله وبيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل.
﴿وكفى بالله شهيدا﴾ على ذلك أو على أن الحسنة والسيئة منه، والأول أولى، والمعنى شهيدا على إرسالك للناس أو على تبليغك ما أرسلت به إلى الناس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى