البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
التبييت قال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو العباس : كل أمر قضي بليل، قيل : قد بيت.
وقال الزجاج : كل أمر مكر فيه أو خيض بليل فقد بيت.
وقال الشاعر :
أتوني فلم أرض ما بيتواوكانوا أتوني بأمر نكر
وقال الأخفش : العرب تقول للشيء إذا قدر : بيت.
وقال أبو رزين : بيت ألف.
وقيل : هيىء وزور.
وقيل : قصد، ومنه قول الشاعر :
لما تبيتنا أخا تميمأعطى عطاء اللحز اللئيم
أي : قصدنا.
وقيل : التبييت التبديل بلغة طيىء، قال شاعرهم :
وتبييت قولي عند المليكقاتلك الله عبداً كفوراً
﴿ويقولون طاعة﴾ نزلت في المنافقين باتفاق.
أي : أمرتهم بشيء قالوا طاعة، أي : أمرنا طاعة، أو منا طاعة.
قال الزمخشري : ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا من قول المرتسم سمعاً وطاعة، وسمع وطاعة، ونحوه قول سيبويه.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له : كيف أصبحت ؟ فيقول : حمداً لله وثناء عليه، كأنه قال : أمري وشأني حمد الله.
ولو نصب حمد الله وثناء عليه كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها انتهى.
ولا حاجة لذكر ما لم يقرأ به ولا لتوجيهه ولا لتنظيره بغيره، خصوصاً في كتابه الذي وضعه على الاختصار لا على التطويل.
﴿فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ أي إذا خرجوا من عندك رووا وسووا أي : طائفة منهم غير الذي تقوله لك يا محمد من إظهار الطاعة، وهم في الباطن كاذبون عاصون، فعلى هذا الضمير في تقول عائد على الطائفة، وهو قول ابن عباس.
وقيل : يعود على الرسول أي : غير الذي تقوله وترسم به يا محمد، وهو الخلاف والعصيان المشتمل عليه بواطنهم.
ويؤيد هذا التأويل قراءة عبد الله بيت مبيت منهم يا محمد.
وقرأ يحيى بن يعمر يقول : بالياء، فيحتمل أن يكون الضمير للرسول، ويكون التفاتاً إذ خرج من ضمير الخطاب في من عندك، إلى ضمير الغيبة.
ويحتمل أن يعود على الطائفة، لأنها في معنى القوم أو الفريق، وخص طائفته بالتبيين لأنه لم يكونوا ليجتمعوا كلهم في دار واحدة، أو لأنه إخبار عن من علم الله أنه يبقى على كفره ونفاقه.
وأدغم حمزة وأبو عمرو بيت طائفة، وأظهر الباقون.
﴿والله يكتب ما يبيتون﴾ أي : يكتبه في صحائف أعمالهم حسبما تكتبه الحفظة ليجازوا به.
وقال الزجاج : يكتبه في كتابه إليك، أي : ينزله في القرآن ويعلم به ويطلع على سرهم.
وقيل : يكتب يعلم عبر بالكتابة عن العلم، لأنه من ثمراتها.
﴿فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً﴾ هذا مؤكد لقوله :﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم.
وليس المعنى فاعرض عن دعوتهم إلى الإيمان وعن وعظهم.
وقال الضحاك : معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول، ثم أمره بإدامة التوكل عليه، هو ينتقم لك منهم، وهذا أيضاً قبل نزول القتال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله : فما أرسلناك.
والتكرار في : من يطع فقد أطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : اسم الله في مواضع، وفي : أشد، وفي : من يشفع شفاعة.
والتجنيس المماثل في : يطع وأطاع، وفي : بيت ويبيتون، وفي : حييتم فحيوا.
والمغاير في : وتوكل ووكيلاً، وفي : من يشفع شفاعة، وفي : وإذا حييتم بتحية.
والاستفهام المراد به الإنكار في : أفلا يتدبرون.
والطباق في : من الأمن أو الخوف، وفي : شفاعة حسنة وشفاعة سيئة.
والتوجيه في : غير الذي تقول.
والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في : ولو كان من عند غير الله.
وخطاب العين والمراد به الغير في : فقاتل.
والاستعارة في : في سبيل الله، وفي : أن يكف بأس.
وافعل في : غير المفاضلة في أشد.
وإطلاق كل على بعض في : بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى