جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ يعني : الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال، خشوا الناس كخشية الله وأشدّ خشية، يقولون لنبيّ الله ﷺ إذا أمرهم بأمر : أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه ! ﴿فَإذَا بَرزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ يقول : فإذا خرجوا من عندك يا محمد ﴿بيّتَ طائفةٌ منهمْ غيرَ الذِي تقولُ﴾ يعني بذلك جلّ ثناؤه : غيّر جماعة منهم ليلاً الذي تقول لهم. وكلّ عَمل عُمل ليلاً فقد بُيّت، ومن ذلك بَيّتَ العدوّ وهو الوقوع بهم ليلاً، ومنه قول عبيدة ابن همام :
| أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيّتُوا | وكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ |
| لاِنْكِحَ أيّمَهُمْ مُنْذِرا | وَهلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرّ لِحُرّ |
| هَبّتْ لِتَعْذُلَنِي بلَيْلٍ اسْمَعِ ! | سَفَها تُبَيّتُكِ المَلامةُ فاهْجَعي ! |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ قال : يغيرون ما عهد نبيّ الله ﷺ.
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال : حدثنا يوسف بن خالد، قال : حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله :﴿بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ قال : غيّر أولئك ما قال النبيّ ﷺ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : ثني أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ قال : غيّر أولئك ما قال النبيّ ﷺ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيّتُونَ﴾ قال : هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبيّ ﷺ فأمرهم بأمر قالوا : طاعة، فإذا خرجوا من عنده غيّرت طائفة منهم ما يقول النبيّ ﷺ. ﴿وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيّتُونَ﴾ يقول : ما يقولون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : قوله :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ قال : يغيّرون ما قال رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فإذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله ﷺ خالفوا إلى غير ما قالوا عنده¹ فعابهم الله، فقال :﴿بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ يقول : يغيّرون ما قال النبيّ ﷺ.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿بَيّتَ طائِفَةٌ مِنْهُم غيرَ الّذِي تَقُولُ﴾ : هم أهل النفاق.
وأما رفع «طاعة » فإنه بالمتروك الذي دلّ عليه الظاهر من القول، وهو : أمرك طاعة، أو منا طاعة. وأما قوله :﴿بَيّتَ طائِفَةٌ﴾ فإن التاء من بيّت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء، لأنها لام فعل. وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك، ترك الإدغام، لأنها أعني التاء والطاء من حرفين مختلفين¹ وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزة أعني الإدغام في ذلك محكية.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فأعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ على اللّهِ وكَفَى باللّهِ وَكِيلاً﴾.
يقول جلّ ثناؤه لمحمد ﷺ : فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم : أمرك طاعة، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيّروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقما منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله. يقول : أي وحسبك بالله وكيلاً : أي فيما يأمرك، ووليّا لها، ودافعا عنك وناصرا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
ونزلت هذه الآية، فيما ذكر، قبل أن يؤمر بالجهاد، كما:-
٩٩٧٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله:"فما أرسلناك عليهم حفيظًا" قال: هذا أول ما بعثه، قال: (إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ) [سورة الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه بقوله:"ويقولون طاعة"، يعني: الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خَشُوا الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون لنبي الله ﷺ إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه ="وإذا برزوا من عندك"، يقول: فإذا خرجوا من عندك، (٢) يا محمد ="بيّت طائفة منهم غير الذي تقول"، يعني بذلك جل ثناؤه: غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم.
وكل عمل عُمِل ليلا فقد"بُيِّت"، ومن ذلك"بيَّت" العدو، وهو الوقوع
(٢) انظر تفسير"برز" فيما سلف ٥: ٣٥٤ / ٧: ٣٢٤.
| أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا، | وَكَانُوا أَتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ (٢) |
| لأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا، | وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ؟! (٣) |
ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ:
| هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ! | سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي (٤) |
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٣، الحيوان ٤: ٣٧٦، الكامل ٢: ٣٥، ١٠٦، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١: ٢٦٣، ديوان الأسود بن يعفر لنهشلي، أعشى بني نهشل، في ديوان الأعشين: ٢٩٨، اللسان (نكر). وروى: "فقد طرقوني بشيء".
"طرقوني": أتوني ليلا. و"نكر" بضمتين، مثل"نكر" بضم فسكون: الأمر المنكر الذي تنكره. والبيت يتممه الذي بعده.
(٣) "الأيم" من النساء، التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا. و"رجل أيم"، لا زوجة له. و"منذر" يعني: المنذر بن المنذر، أخا النعمان بن المنذر. وقوله: "هل ينكح العبد حر لحر" أي: هل ينكح الحر الذي ولدته الأحرار، عبدًا من العبيد، وذلك تعريض منه بالمنذر وأخيه النعمان، الذي جعل امرأته ظئرًا لبعض ولد كسرى، وسماه كسرى"عبدًا". وقوله: "حر لحر"، أي: حر قد ولدته الأحرار، كما تقول: "هو كريم لكرام، وحر لأحرار"، اللام فيه للنسب، كأنه قال: كريم ينسب إلى آباء كرام، وحر ينسب إلى آباه أحرار. وهذا الذي قلته لا تجده في كتاب، فاحفظه.
وكان في المخطوطة: "لأنكح إليهم منذرًا"، وهو فاسد جدًا كما ترى، وفيها أيضًا: "حر بحر"، والصواب ما أثبت.
(٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٣، والخزانة ١: ١٥٣، والعيني (بهامش الخزانة) ٢: ٥٣٦، وشرح شواهد المغني: ١٦١، وغيرها. وكان في المطبوعة: "بليل اسمع"، وهو خطأ، ومثله في المخطوطة: "بليل اسمع"، ولكني أثبت رواية أبي عبيدة فهي أجود الروايات.
وقوله: "اسمع"، هذا قول امرأته أو أمه التي كانت تلومه على الكرم والسخاء. ويعني بذلك أنها كانت تكثر من مقالة"اسمع، واسمع مني". وقوله: "سفها"، أي باطلا وخفة عقل. وقوله"تبيتك الملامة" ليس من معنى ما أراد الطبري، وإن كان الشراح قد فسروه كذلك. وهو عندي من قولهم: "بات الرجل" إذا سهر، ومنه: "بت أراعي النجوم"، أي سهرت أنظر إليها، فقوله: "تبيتك الملامة"، أي تسهرك ملامتي وعتابي، يقول: سهرك المضني هذا من السفه، فنامي واهجعي، فهو أروح لك!
فاستشهاد أبي عبيدة، والطبري على أثره، بهذا البيت، ليس في تمام موضعه، وإن كان الأمر قريب بعضه من بعض.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٩٩٨٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيَّت طائفة منهم غير الذي تقول"، قال: يغيِّرون ما عهد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:
٩٩٨١ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف بن خالد قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"بيّت طائفة منهم غير الذي تقول"، قال: غيَّر أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
٩٩٨٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول"، قال: غيّر أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
٩٩٨٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون)، قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي ﷺ فأمرهم بأمر قالوا:"طاعة"، فإذا
٩٩٨٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله:"ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول"، قال: يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٩٩٨٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول"، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آمنا بالله ورسوله"، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، (١) خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال:"بيت طائفة منهم غير الذي تقول"، يقول: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
٩٩٨٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"بيت طائفة منهم غير الذي تقول"، هم أهل النفاق.
* * *
وأما رفع"طاعة"، فإنه بالمتروك الذي دلّ عليه الظاهر من القول وهو: أمرُك طاعة، أو: منا طاعة. (٢) وأما قوله:"بيت طائفة"، فإن"التاء" من"بيّت" تحرِّكها بالفتح عامة قرأة المدينة والعراق وسائر القرأة، لأنها لام"فَعَّل".
* * *
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٨.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ترك الإدغام، لأنها = أعني"التاء" و"الطاء" = من حرفين مختلفين. وإذا كان كذلك، كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزةٌ = أعني الإدغام في ذلك = محكيّةٌ.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (٨١)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم:"فأعرض"، يا محمد، عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم:"أمرك طاعة"، (٢) فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به، وغيَّروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقمًا منهم ="وتوكل" أنت يا محمد ="على الله"، يقول: وفوِّض أنت أمرك إلى الله، وثق به في أمورك، وولِّها إياه (٣) ="وكفى بالله وكيلا"، يقول: وكفاك بالله = أي: وحسبك بالله ="وكيلا"، أي: فيما يأمرك، ووليًّا لها، ودافعًا عنك وناصرًا. (٤)
* * *
(٢) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ٢: ٢٩٨، ٢٩٩ / ٦: ٢٩١ / ٨: ٨٨.
(٣) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف: ٧: ٣٤٦.
(٤) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف ٧: ٤٠٥.