المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ويقولون طاعة﴾ الآية نزلت في المنافقين باتفاق من المفسرين، المعنى يقولون لك يا محمد : أمرنا طاعة، فإذا خرجوا من عندك اجتمعوا ليلاً وقالوا غير ما أظهروا لك. و ﴿بيَّت﴾ معناه فعل ليلاً، فإما أخذ من بات، وإما من البيت لأنه ملتزم بالليل وفي الأسرار التي يخاف شياعها، ومن ذلك قول الشاعر [ الأسود بن يعفر ] :[ المتقارب ]
أتوني فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا. . . وَكَانُوا أَتوني بِأَمْرٍ نكرْ(١)
ومنه قول النمر بن تولب :
هبَّتْ لتعذلني بليل اسمعيسفهاً تبيتك للملامةِ فاهجعي(٢)
المعنى وتقول لي : اسمع، وزيدت الياء إشباعاً لتصريع القافية واتباعاً للياء، كقول امرىء القيس :
ألا أيُّها الليلُ الطويلُ أَلاَ انْجَلي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٣)
وقوله بأمثل، وقرأ جمهور القراء ﴿بيت﴾ بتحريك التاء، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغامها في الطاء، وقرأ ابن مسعود «بيت مبيت منهم يا محمد » وقوله :﴿تقول﴾ يحتمل أن يكون معناه تقول أنت يا محمد، ويحتمل، تقول هي لك، و ﴿يكتب﴾ معناه على وجهين، إما يكتبه عنده حسب كتب الحفظة حتى يقع الجزاء، وإما يكتبه في كتابه إليك، أي ينزله في القرآن ويعلم بها، قال هذا القول الزجّاج، والأمر بالإعراض إنما هو عن معاقبتهم ومجازاتهم، وأما استمرار دعوتهم وعظتهم فلازم، قال الضحاك : معنى ﴿أعرض عنهم﴾ لا تخبر بأسمائهم، وهذا أيضاً قبل نزول القتال على ما تقدم. ثم أمر الله تعالى بالتوكل عليه والتمسك بعروته الوثقى ثقة بإنجاز وعده في النصر، و «الوكيل » القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، وليس ما غلب الاستعمال في الوكيل في عصرنا بأصل في كلام العرب، وهي لفظة رفيعة وضعها الاستعمال العامي، كالعريف والنقيب وغيره.
١ - البيت للأسود بن يغفر، وبعده كما في اللسان:
لأنكح أيمهم منذرا وهل ينكح العبد حر لحر؟
والنكر هو المنكر، ومنه قوله تعالى: ﴿لقد جئت شيئا نكرا﴾، وقد تحرك الكاف كما في البيت، وابن عطية يستشهد بالبيت على أن معنى (بيت) هو: "فعل ليلا"، سواء أكان من الفعل (بات) أو من (البيت) لأنه ملتزم بالليل- لكن القرطبي استشهد به على أن معنى [بيّت] هو: غيّر وبدّل، واتبعه ببيت آخر يتضح فيه معنى التغير أكثر، وهو قول الشاعر:
بيّت قولي عبد المليـ ـك قاتله الله عبدا كفورا.
ورواه في "البحر المحيط":
وتبييت قولي عند المليـ ـك قاتلك الله عبدا كفورا.

٢ - العذل: الملامة كالتعذيل، والاسم: العذل محركة، وبيّت الأمر: عمله ليلا كما في الآية الكريمة هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ والهجوع بالضم: النوم ليلا.
.

٣ - البيت كاملا هو:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح، وما الإصباح منك بأمثل.
وإلى كلمة (أمثل) هذه يشير ابن عطية في قوله بعد البيت مباشرة: "وقوله: بأمثل" وقد زيدت الياء في (انجلي) ليستقيم الوزن، عن الفراء: العرب تفعل ذلك كثيرا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى