الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
قوله سبحانه :﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ. . .﴾[النساء: ٨٦].
قالتْ فرقةٌ : معنى الآية : تخييرُ الرَّادِّ، فإذا قال البادئُ : السَّلاَمُ عَلَيْكَ، فللرادِّ أنْ يقولَ : وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ : وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن أبي عمر، َ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ : المعنى ( إذا حُيِّيتم بتحيةٍ )، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، ( فحَيُّوا بأحْسَنَ منها ) وإن انتهى، ( فردُّوها ) كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ : عَلَيْكَ، كما في الحديثِ، وفي أبِي داوُدَ، والترمذيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ :( أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ ) انتهى.
وأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه فريضةٌ، لأنه حقٌّ من الحقوقِ، قاله الحسن وغيره، قال النوويُّ : ورُوِّينا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ :( مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ )، ورُوِّينَا فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال :( مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ، حتى قَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )، وَروِّينَا فيه عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :( إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا )، وفي رواية :( إذَا التقى المُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا، غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا ) انتهى.
و﴿حَسِيباً﴾ : معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى