المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وإذا حييتم﴾ الآية. التحية وزنها تفعلة من حي، وهذا هو الأغلب من مصدر فعل في المعتل، وروي عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس، وفيه ضعف، لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة، أما أن الرد على المشمت مما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك رحمه الله إن صح ذلك عنه والله أعلم، واختلف المتأولون، فقالت فرقة : التحية أن يقول الرجل : سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول : عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادىء : السلام عليك ورحمة الله، قال الراد عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فإن قال البادىء : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقد انتهى ولم يبق للراد أن يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية، فالمعنى عند أهل هذه القالة ﴿إذا حييتم بتحية﴾، فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن. وإن انتهى فردوا، وقالت فرقة : إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادىء : السلام عليك، فللراد أن يقول، وعليك السلام فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول، عليك السلام ورحمة الله، وهذا هو التحية بأحسن منها، وقال ابن عباس وغيره : المراد بالآية، ﴿إذا حييتم بتحية﴾، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله ﷺ أن يقال لهم :( وعليكم )(١)، وروي عن ابن عمرو وابن عباس وغيرهما، انتهى السلام إلى البركة، وجمهور أهل العلم على أن لا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلم أحد ساهياً أو جاهلاً فينبغي أن يستقيله سلامه، وشذ قوم في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب، لأنه به يتصور إذلالهم، وقال ابن عباس : كل من سلم عليك من خلق الله فرد عليه وإن كان مجوسياً، وقال عطاء : الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم قيل له : عليك، كما في الحديث(٢)، وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ورده فريضة، لأنه حق من الحقوق، قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، و ﴿حسيباً﴾ معناه : حفيظاً، وهو فعيل من الحساب، وحسنت هاهنا هذه الصفة، إذ معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به.
١ - في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا سلّم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: (وعليك). وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: (مرّ يهودي برسول الله ﷺ فقال: السام عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)..
٢ - نفس الحديث السابق..
٢ - نفس الحديث السابق..