مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾
في النظم وجهان : الأول : أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن الأعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها، فقوله :﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ كقوله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾. الثاني : أن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : التحية تفعلة من حييت، وكان في الأصل تحيية، مثل التوصية والتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله :﴿وتصلية جحيم﴾ فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء.
المسألة الثانية : اعلم أن عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا : حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله، فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام. قال تعالى :﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ ومنه قول المصلي : التحيات لله، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك. قال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده ***. . .
وقال آخر :
إنا محيوك يا سلمى فحيينا***. . .
واعلم أن قول القائل لغيره : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله، وبيانه من وجوه : الأول : أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حيا كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله. الثاني : أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله : حياك الله. الثالث : أن قول الإنسان لغيره : السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله : حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل. ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول، أما القرآن فمن وجوه : الأول : اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا : أولها : أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته :﴿الملك القدوس السلام﴾ وثانيها : أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا، فقال :﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ والمراد منه أمة محمد ﷺ، وثالثها : سلم عليك على لسان جبريل، فقال :
﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر﴾ قال المفسرون : إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فقال الله : لا تهتم لذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني. ورابعها : سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال :﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ فإذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك. وخامسها : سلم عليك على لسان محمد ﷺ، فقال :﴿الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ وكل من هدى الله إلى الإيمان فقد اصطفاه، كما قال :﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ وسادسها : أمر محمدا ﷺ بالسلام على سبيل المشافهة، فقال :﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ وسابعها : أمر أمة محمد ﷺ بالتسليم عليك قال :﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ وثامنها : سلم عليك على لسان ملك الموت فقال :﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾ قيل : إن ملك الموت يقول في أذن المسلم : السلام يقرئك السلام، ويقول : أجبني فإني مشتاق إليك، واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة، يقول لملك الموت : للبشير مني هدية، ولا هدية أعز من روحي، فاقبض روحي هدية لك، وتاسعها : السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة، قال تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ وعاشرها : سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى :﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ إلى قوله :﴿وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم﴾ والحادي عشر : إذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم. قال تعالى :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ والثاني عشر : السلام من الله من غير واسطة وهو قوله :﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ وقوله :﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق.
الوجه الثاني : من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات : وقت الابتداء، ووقت الموت، ووقت البعث، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فإنما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال :﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال :﴿والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾.
الوجه الثالث : أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال :
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا : السام عليك، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال : إن كان اليهود يقولون السام عليك، فأنا أقول من سرادقات الجلال : السلام عليك، وأنزل قوله :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ إلى قوله :﴿وسلموا تسليما﴾.
وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبد الله بن سلام قال : لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس، فأول ما سمعت منه :« يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ». وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول : قالوا : تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا : حياك الله، وللملوك أن يقولوا : أنعم صباحا، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها. الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات. ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع. الثالث : أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادرا عليه لا محالة، والسلام يدل عليه. فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية.
المسألة الثالثة : من الناس من قال : من دخل دارا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ وقال عليه الصلاة والسلام :« أفشوا السلام » والأمر للوجوب. الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فإذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام :«المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فوجب أن يكون السلام واجبا. الثالث : أن السلام من شعائر أهل الإسلام، وإظهار شعائر الإسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي.
وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ الثاني : أن ترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر والضرر حرام.
المسألة الرابعة : منتهى الأمر في السلام أن يقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
واعلم أنه تعالى قال :﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ فقال العلماء : الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب. روى أن رجلا قال للرسول ﷺ : السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وآخر قال : السلام عليك ورحمة الله، فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وجاء ثالث فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الرجل : نقصتني، فأين قول الله :﴿فحيوا بأحسن منها﴾ فقال ﷺ : إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت.
المسألة الخامسة : المبتدئ يقول : السلام عليك والمجيب، يقول : وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال : السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله، فإذا قال المجيب : وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله، وهذا يطابق قوله :﴿هو الأول والآخر﴾ وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فإنه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله :﴿أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فلو خالف المبتدئ فقال : وعليكم السلام فقد خالف السنة، فالأولى للمجيب أن يقول : وعليكم السلام، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله.
المسألة السادسة : إن شاء قال : سلام عليكم، وإن شاء قال : السلام عليكم قال تعالى في حق نوح :﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا﴾ وقال عن الخليل :﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ وقال في قصة لوط :﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ وقال عن يحيى :﴿وسلام عليه﴾ وقال عن محمد ﷺ :﴿قل الحمد لله وسلام على عباده﴾ وقال عن الملائكة :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ وقال عن رب العزة :﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ وقال :﴿فقل سلام عليكم﴾ وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام :﴿فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى﴾ وقال عن عيسى عليه السلام :﴿والسلام على يوم ولدت ويوم أموت﴾ فثبت أن الكل جائز، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف ؟ فقيل التنكير أفضل، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل. الثاني : أن كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى