البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ مَن أثبت أن لو تكون مصدرية قدره : ودُّوا كفركم كما كفروا.
ومَن جعل لو حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، جعل مفعول ودُّوا محذوفاً، وجواب لو محذوفاً، والتقدير : ودُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء، لسرُّوا بذلك.
وسبب ودّهم ذلك إمّا حسداً لما ظهر من علوّ الإسلام كما قال في نظيرتها :﴿حسداً من عند أنفسهم﴾ وإمّا إيثاراً لهم أن يكونوا عباد أصنام لكونهم يرون المؤمنين على غير شيء، وهذا كشف من الله تعالى لخبيث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم.
وفتكونون معطوف على قوله : تكفرون.
قال الزمخشري : ولو نصب على جواب التمني لجاز، والمعنى : ودُّوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء انتهى.
وكون التمني بلفظ الفعل، ويكون له جواب فيه نظر.
وإنما المنقول أنَّ الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو : ليت، ولو وإلا، إذا أشربتا معنى التمني، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب.
بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية، لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به، فيكون من باب : للبس عباءة وتقرّ عيني.
﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ لما نص على كفرهم، وأنَّهم تمنوا أن تكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدّينين، فهي تعالى أن يوالي منهم أحد وإن آمنوا، حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإيمان، لا لأجل حظ الدّنيا، وإنما غياباً بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإيمان.
وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي ﷺ إلى المدينة، ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة، فنسخ بقوله ﷺ :« لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ».
وخالف الحسن البصري فقال بوجوبها، وإن حكمها لم ينسخ، وهو باق فتحرم الإقامة بعد الإسلام في دار الشرك.
وإجماع أهل المذاهب على خلافه.
قال القاضي أبو يعلى وغيره : من هو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهي تجب عليه لقوله تعالى :﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ ومن كان قادراً على إظهار دينه استحبت له، ومن لا يقدر على إظهار دينه ولا على الحركة كالشيخ الفاني والزمِنْ، لا يستحب له.
﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً﴾ أي.
فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم الكفار يقتلون حيث وجدوا في حل وحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً.
التتميم في : ومن أصدق من الله حديثاً.
والاستفهام بمعنى الإنكار في : فما لكم في المنافقين، وفي : أتريدون أن تهدوا.
والطباق في : أن تهدوا من أضل الله.
والتجنيس المماثل في : لو تكفرون كما كفروا، وفي : بينكم وبينهم، وفي : أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي : أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي : خطأ وخطأ.
والاستعارة في : بينكم وبينهم، وفي : حصرت صدورهم، وفي : فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي : سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية.
والاعتراض في : ولو شاء الله لسلطهم.
والتكرار في مواضع.
والتقسيم في : ومن قتل إلى آخره.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى