فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودّون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنوا ذلك عناداً وغلوّاً في الكفر وتمادياً في الضلال، فالكاف في قوله :﴿كَمَا﴾ نعت مصدر محذوف، أي : كفراً مثل كفرهم، أو حال، كما روي عن سيبويه. قوله :﴿فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ عطف على قوله :﴿تَكْفُرُونِ﴾ داخل في حكمه، أي : ودّوا كفركم ككفرهم، وودّوا مساواتكم لهم. قوله :﴿فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء﴾ جواب شرط محذوف، أي : إذا كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا، ويحققوا إيمانهم بالهجرة ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ عن ذلك ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ إذا قدرتم عليهم ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ في الحلّ والحرم ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً﴾ توالونه ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ تستنصرون به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله ﷺ :«وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ يقول : أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال : ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ قال : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ الآية، قال : نسختها براءة ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يقول : ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ قال : الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ الآية، قال : نسختها :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال : نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية، قال : ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى