فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ هو : مستثنى من قوله :﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ أي : إلا الذين يتصلون، ويدخلون في قوم بينكم وبينهم ميثاق بالجوار والحلف، فلا تقتلوهم لما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى الآية. وقيل الاتصال هنا : هو اتصال النسب.
والمعنى : إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة، وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه ؛ لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب، ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ميثاق، فقيل : هم قريش كان بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق ﴿والذين يَصِلُونَ﴾ إلى قريش هم : بنو مدلج. وقيل : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد. وقيل : خزاعة. وقيل : بنو بكر بن زيد.
قوله :﴿أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عطف على قوله :﴿يَصِلُونَ﴾ داخل في حكم الاستثناء، أي : إلا الذين يصلون، والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون عطفاً على صفة قوم، أي : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، أي : ضاقت صدورهم، عن القتال، فأمسكوا عنه والحصر : الضيق، والانقباض. قال الفراء : وهو : أي :﴿حصرت صدورهم﴾ حال من المضمر المرفوع في جاءوكم، كما تقول : جاء فلان ذهب عقله، أي : قد ذهب عقله. وقال الزجاج : هو خبر بعد خبر، أي : جاءوكم. ثم أخبر، فقال :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل : حصرت في موضع خفض على النعت لقوم. وقيل التقدير : أو جاءوكم رجال، أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن :«أَوْ جَاءوكُمْ حصرةً صُدُورُهُمْ » نصباً على الحال. وقرئ «حصرات، وحاصرات ». وقال محمد بن يزيد المبرّد : حصرت صدورهم هو دعاء عليهم، كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل :«أو » بمعنى «الواو ».
وقوله :﴿أن يقاتلونكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ﴾ هو متعلق بقوله :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي : حصرت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك ﴿وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ابتلاء منه لكم، واختباراً، كما قال سبحانه :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أخباركم﴾ [محمد: ٣١] أو تمحيصاً لكم، أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، واللام في قوله :﴿فلقاتلوكم﴾ جواب لو على تكرير الجواب، أي : لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ ولم يتعرضوا لقتالكم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي : استسلموا لكم، وانقادوا ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي : طريقاً، فلا يحلّ لكم قتلهم، ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله :﴿فَمَا لَكُمْ فِى المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ الآية كلها. فقال رسول الله ﷺ :«وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ يقول : أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال : ردهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ قال : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ الآية، قال : نسختها براءة ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يقول : ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ قال : الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ الآية، قال : نسختها :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال : نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية، قال : ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.
والمعنى : إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة، وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه ؛ لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب، ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ميثاق، فقيل : هم قريش كان بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق ﴿والذين يَصِلُونَ﴾ إلى قريش هم : بنو مدلج. وقيل : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد. وقيل : خزاعة. وقيل : بنو بكر بن زيد.
قوله :﴿أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عطف على قوله :﴿يَصِلُونَ﴾ داخل في حكم الاستثناء، أي : إلا الذين يصلون، والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون عطفاً على صفة قوم، أي : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، أي : ضاقت صدورهم، عن القتال، فأمسكوا عنه والحصر : الضيق، والانقباض. قال الفراء : وهو : أي :﴿حصرت صدورهم﴾ حال من المضمر المرفوع في جاءوكم، كما تقول : جاء فلان ذهب عقله، أي : قد ذهب عقله. وقال الزجاج : هو خبر بعد خبر، أي : جاءوكم. ثم أخبر، فقال :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل : حصرت في موضع خفض على النعت لقوم. وقيل التقدير : أو جاءوكم رجال، أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن :«أَوْ جَاءوكُمْ حصرةً صُدُورُهُمْ » نصباً على الحال. وقرئ «حصرات، وحاصرات ». وقال محمد بن يزيد المبرّد : حصرت صدورهم هو دعاء عليهم، كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل :«أو » بمعنى «الواو ».
وقوله :﴿أن يقاتلونكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ﴾ هو متعلق بقوله :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي : حصرت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك ﴿وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ابتلاء منه لكم، واختباراً، كما قال سبحانه :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أخباركم﴾ [محمد: ٣١] أو تمحيصاً لكم، أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، واللام في قوله :﴿فلقاتلوكم﴾ جواب لو على تكرير الجواب، أي : لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ ولم يتعرضوا لقتالكم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي : استسلموا لكم، وانقادوا ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي : طريقاً، فلا يحلّ لكم قتلهم، ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ قال : نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله :﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ الآية، قال : نسختها براءة ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السديّ :﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يقول : ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السلم﴾ قال : الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ الآية، قال : نسختها :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال : نسختها براءة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية، قال : ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.