اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ ](١) فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾
السِّين في " ستجدون " للاسْتِقْبَال على أصلها، قالوا : ولَيْسَت(٢) هنا للاسْتِقْبَال، بل للدَّلالة على الاسْتِمْرَار، وليس بِظَاهِرٍ.
قال الكَلْبِي عن أبي صَالحٍِ، عن ابن عبَّاسٍ : هم أسَد وغطَفَان(٣) كانوا حَاضِرِي المَدِينَة، تَكَلَّموا بالإسْلام رياءً، وهم غير مُسْلِمِين، فكان الرَّجُل مِنْهُم يقول له قَوْمُه : بماذا أسْلمت ؟ فيقول : آمَنْتُ بربِّ القِرْدِ، وبرب العَقْرب والخُنْفُسَاء، وإذا لقوا أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا : إنَّا على دينِكُم، يريدون بذلك الأمْن في الفَرِيقَيْن، وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس : هم بَنُو عَبْد الدَّار، كانوا بهذه الصِّفَةِ.
﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ﴾ فلا تتعرَّضُوا لَهُم، ﴿وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ فلا يتعرَّضُوا لَهُم، ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ﴾ دعوا إلى الشِّرْك، ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي : رجَعُوا وعادوا إلى الشِّرْك.
وقرأ عبد الله(٤) :" ركسوا فيها " ثلاثيَّا مُخَفَّفاً، ونقل ابْنُ جنيٍّ عنه :" ركَّسوا " بالتَّشْديد. وقرأ ابن وثابِ والأعْمِشُ(٥) :" رِدوا " بِكَسْر الرَّاء ؛ لأن الأصْل :" رددوا " فأدْغِم، وقلبت(٦) الكَسْرة على الرَّاء(٧). وقوله :" إلى الفتنة " إلى الكُفْر.
﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أي : فإن لَمْ يكفُّوا عن قِتَالِكُم حَتَّى تسيروا إلى مَكَّة :﴿وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي : المفاداة والصُّلْح، " ويكفوا أيديهم " ولم يقبضوا أيديهُم من قتالكم، " فخذوهم "، أسرى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي : وجدتموهم، " وأولئكم " أي : أهل هذه الصِّفة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي : حُجَّة بيِّنة ظاهرة بالقَتلِْ والقِتَال، وهذه الآيَة تَدُلُّ على أنَّهم إذا اعْتزلُوا قِتَالنا وطَلَبُوا الصُّلحِ مِنَّا، وكفوا أيْديهُم عن إيذائِنا، لم يَجُزْ لنا قِتَالهم، ونَظِيرُه قوله تعالى :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وقوله :﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].
١ سقط في ب..
٢ في أ: وليت..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/١٧٩) عن ابن عباس..
٤ تقدمت..
٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٣٢..
٦ في أ: ونقلت..
٧ في أ: الياء..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى