تفسير الشعراوي — الشعراوي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ( ١ )﴾ :اسمها سورة ( النور )(١)، وإذا استقرأنا موضوع المسمى أو المعنون له بسورة ( النور ) تجد النور شائعا في كل أعطافها- لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها- ولكن النور شائع في كل حروفها، لماذا ؟.
قالوا : لأن النور من الألفاظ التي يدل عليها نطقها ويعرفها أكثر من أي تعريف آخر، فالناس تعرف النور بمجرد نطق هذه الكلمة، والنور لا يعرف إلا بحقيقة ما يؤديه، وهو ما تتضح به المرئيات، وتتجلى به الكائنات، فلولا هذا النور ما كنا نرى شيئا.
إذن : يعرف النور بخاصيته، وهو الذي يجعل لك قدرة على أن ترى المرئيات، بدليل أنها إن كانت في ظلمة لا تراها. إذن : فالنور لا يرى، ولكن نرى به الأشياء، فالله تعالى نور السماوات والأرض ينورهما لنا، لكن لا نراه سبحانه.
لكن، هل كل الأشياء مرائي ؟ أليس منها المسموع والمشموم والمتذوق ؟ قالوا : نعم، لكن الدليل الأول على كل هذه وفعل الحوادث هي المرئيات ؟ لأن كل أدلة الكون مرئية نراها أولا، ثم حين تسمع، وحين تشم، وحين تلمس، وحين تميز الثقيل من الخفيف، أو القريب من البعيد. فهذا كله فرع ما يوجد فيك، بعد ما تؤمن أن الله الذي أوجدك هو الذي أوجد لك كل شيء، فإذا ما نظرت إلى النور وجدت النور أمرا حسيا ترى به الأشياء.
وكانوا في الماضي يعتقدون أن الإنسان يبصر الأشياء بشعاع يخرج من العين، فيسقط على الشيء فتراه، إلى أن جاء العالم الإسلامي الحسن بن الهيثم، وأبطل هذه النظرية وقال : إن الشعاع ياتي من المرئي إلى العين فتراه، وليس العكس، واستدل على ذلك بأن الشيء إن كان في الظلام لا نراه، ونحن في النور، فلو أن الشعاع يخرج منك لرأيته.
وفي ضوء هذه النظرية فهمنا قوله تعالى :﴿وجعلنا آية النهار مبصرة.. ( ١٢ )﴾ [ الإسراء ] : فهي مبصرة، لأن الشعاع يأتي من هناك، فكأنها هي التي ترى.
لكن، ما نفع هذا النور الحسي للإنسان الخليفة في الأرض ؟ أنت حين ترى الأشياء تتعامل معها تعاملا يعطيك خيرها ويكف عنك شرها، ولو لم تر الأشياء ما أمكنك التعامل معها، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر ؟.
إذن : لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع قدمك، وتأخذ خير الأشياء، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسي، كذلك إن سرت في ظلمة وعلى غير هدى، فلا بد أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك، أو بأضعف منك فتحطمه.
لذلك سمى الحق- تبارك وتعالى- المنهج الذي يهديك في دروب الحياة نورا.
والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي يصنعون لأنفسهم أنوارا على قدر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من المسرجة ولمبة الجاز، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه- حتى عصر الكهرباء والفلوروسنت والنيون وخلافه من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس تفاوتا كبيرا، هذا في الليل، فإذا ما أشرقت الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ومصابيحهم، لماذا ؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه أحد عن أحد.
وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إن كان لله فيه توجيه، فأطفئ مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونور ربك موجود، بل عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك، فكما أخذت نور الله الحسي فألغيت به كل الأنوار، فخذ نور الله في القيم، خذ نور الله في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أي نور من أنوار البشر ومناهجهم.
ألا ترى النمرود كيف بهت حينما قطع عليه إبراهيم- عليه السلام- جدله وألجأه إلى الحجة التي لا يستطيع الفكاك منها، حين قال له :﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.. ( ٢٥٨ )﴾ [ البقرة ].
والحق- تبارك وتعالى- يفيض من أنواره وصفات كماله على خلقه الذين جعلهم خلفاء له سبحانه في الأرض، فقال :﴿إني جاعل في الأرض خليفة.. ( ٣٠ )﴾ [ البقرة ] : والخليفة في الأرض ليس جيلا واحدا خلقه الله واستخلفه في الأرض إلى قيام الساعة، إنما الخليفة أجيال وأنسال تتوالى، يموت واحد ويولد آخر في حلقات موصولة الأنسال لا الذوات.
والخليفة لا ينجح في خلافته إلا إذا سار فيها على وفق مراد من استخلفه، وآفة الناس في خلافتهم لله في الأرض أن يعتبروا أنفسهم أصلاء لا خلفاء، فالخليفة في ذهنه دائما هذه الخلافة، لذلك يلتفت إلى الأصل، وينظر ماذا يريد منه من استخلفه.
والحق- تبارك وتعالى- جعل له خليفة في الأرض لتظهر عليه سمات قدرته تعالى وصفات كماله، فالله تعالى قادر، الله عالم، الله حكيم، الله غني، الله رحيم، الله غفور.. الخ وهو سبحانه يعطي من صفاته ويفيض منها على خلقه وخليفته في أرضه بعضا من هذه الصفات، فيعطيك من قدرته قدرة، ومن رحمته رحمة، ومن غنائه غنى، لكن تظل الصفة في يده تعالى إن شاء سلبها، ألا ترى القوي قد يصير ضعيفا، والغني قد يصير فقيرا ؟.
ذلك لنعلم أن هذه الصفات ليست ذاتية فينا، وأن هذه الهبات ليست أصلا عندنا، إنما هي فيض من فيض الله وهبة من هباته سبحانه، لذلك علينا أن نستعملها وفق مراده تعالى، فإن أعطاك ربك القدرة فإنما أفاض بها عليك لتفيض أنت بها على غيرك، أعطاك العلم لتنثره على الناس، أعطاك الغنى لترعى حق الفقير.
إذن : ما دام أن الله تعالى أفاض عليك من صفات الكمال واحتفظ هو سبحانه بملكية هذه الصفات، فإن شاء سلبها منك، فعليك أن تستغل الفرصة وتنتهز وجود هذه الخصلة عندك، فتثمرها فيما أراده الله منك قبل أن تسلب، حتى إذا سلبت منك نالتك من غيرك.
فتصدق وأنت غني لتنال صدقة الآخرين إن أصابك الفقر، وأكرم اليتيم لتجد من يكرم يتيمك من بعدك، فإن قابلت أحداث الحياة بهذه النظرة اطمأن قلبك، وأمنت من حوادث الزمن، واستقبلت الأحداث بالرضا، وكيف تهتم وأنت في مجتمع يرعاك كما رعيته، ويحملك كما حملته، ويتعاون معك كما تعاونت معه ؟
وصدق الله تعالى حين قال :﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ( ٩ )﴾ [ النساء ].
إذن : الحق- تبارك وتعالى- يريد من خليفته في أرضه أن يكون جماعا لصفات الكمال التي تسعد الخلق بآثار الخالق فيهم، وهذه هي الخلافة الحقة.
وسورة النور جاءت لتحمل نور المعنويات، نور القيم، نور التعامل، نور الأخلاق، نور الإدارة والتصرف، وما دام أن الله تعالى وضع لنا هذا النور فلا يصح للبشر أن يضعوا لأنفسهم قوانين أخرى، لأنه كما قال سبحانه :﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( ٤٠ )﴾ [ النور ] : فلو لم تكن هذه الشمس ما استطاع أحد أن يصنع لنفسه نورا أبدا.
فالحق- تبارك وتعالى- يريد لخليفته في أرضه أن يكون طاهرا شريفا كريما عزيزا، لذلك وضع له من القوانين ما يكفل له هذه الغاية، وأول هذه القوانين وأهمها قانون التقاء الرجل والمرأة التقاء سليما في وضح النهار، لينتج عن هذا اللقاء نسل طاهر جدير بخلافة الله في أرضه، لذلك أول ما تكلم الحق سبحانه في هذه السورة تكلم عن مسألة الزنى.
والعجيب أن تأتي هذه السورة بعد سورة ( المؤمنون ) التي قال الله في أولها ﴿قد أفلح المؤمنون ( ١ )﴾ [ المؤمنون ] : ثم ذكر من هؤلاء المؤمنين المفلحين ﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٥ )﴾ [ المؤمنون ]، وهنا قال :﴿الزانية والزاني.. ( ٢ )﴾ [ النور ]، فجاء بالمقابل الذين هم لفروجهم حافظون.
نفهم من هذا أنه لا يلتقي رجل وامرأة إلا على نور من الله وهدى من شريعته الحكيمة، لأنه عز وجل هو خالق الإنسان، وهو أعلم بما يصلحه، وهو خالق ذراته، ويعلم كيف تنسجم هذه الذرات بعضها البعض، وهو سبحانه خالق ملكات النفس، ويعلم كيف تتعايش هذه الملكات ولا تتنافر.
إذن : طبيعي إن أردت أن تنشئ خليفة في الكون على غير مراد الله وعلى غير مواصفات الحق، لا بد أن يضطرب الكون وتتصارع فيه ملكات النفس، وماذا تنتظر من هذا الخليفة إن جاء في الظلام ؟ ساعتها تظهر أمراض النسل من وأد الأولاد وقتلهم حتى في بطون الأمهات، وقد يتشكك الرجل في ولده، فيبغضه ويهمله ويتركه للتشرد.
إذن : لن تستقيم هذه المسألة إلا حين يأتي الخليفة وفق مواصفات ربه، وأن يلتقي الزوجان على ما شرع الله في وضح النهار، لا أن يندس كل منهما على الآخر في ظلمة الإثم، فيحدث المحظور الذي تختلط به الأنساب، ويتفكك رباط المجتمع.
إن من أقسى تجارب الحياة على المرء أن يشك في نسبة ولده إليه، وأن تعتصره هذه الفكرة، فيهمل ولده وفلذة كبده، وينفق هنا وهناك ويحرمه على خلاف النسل الطاهر، حيث يتلهف الأب لولده، ويجوع ليشبع، ويتعرى ليلبس.
فالحق سبحانه يريد النسل المحضون بالأبوين في أبوة صحيحة شرعية وأمومة صحيحة شرعية اجتمعا على نور الله.
ولك أن تجري مقارنة بين امرأة حملت سفاحا وأخرى حملت حملا شرعيا طاهرا، ستجد الأولى تحمله على مضض وكره، وتود أن تتخلص منه وهو جنين في بطنها، فإن تحاملت على نفسها إلى حين ولادته تخلصت منه في ليلتها ولو بإلقائه على قارعة الطريق.
أما صاحبة الحمل الشرعي فتتلهف على الولد، وإن تأخر بعض الوقت صارت قلقة تدور بين الأطباء، فإن أكرمها الله بالحمل طارت به فرحا وفخرا، وحافظت عليه في مشيتها وحركاتها ونومها وقيامها إلى حين الوضع، فتتحمل آلامه راضية ثم تحتضنه وترضعه وتعيش حياتها في خدمته ورعايته.
فالله يريد أن يأتي خليفته في أرضه من إخصاب طاهر على أعين الناس جميعا وفي نور الله المعنوي، يريد للزوج أن يأتي من الباب في ضوء هذا النور، لا أن يتلصص في الظلام من باب الخدم.
لذلك يتوعد الحق- سبحانه وتعالى- من يخالف هذا المنهج ويريد أن يفسد شرف الخلافة التي يريدها الله طاهرة، ويدنس النسل، ويوغر الصدور بالأحقاد والعداوات، ويزرع الشك في نفوس الخلق، وجرائم العرض لا يقتصر ضررها على العداوات الشخصية إنما تتعدى هذه إلى الإضرار بالمجتمع كله.
وانظر إلى الإيدز الذي يهدد المجتمعات الآن، وهو ناتج عن الالتقاء الغير الشرعي، وخطر الإيدز لا يقتصر على طرفيه إنما يتعداهما إلى الغير، إذن : من صالح المجتمع كله أن نقيم حد الزنا حتى لا يستشري هذا الداء.
ونعجب من هؤلاء الذين يهاجمون شرع الله في مسألة الحدود حين تقضي برجم الزاني المحصن حتى الموت، ألا يعلم هؤلاء أننا نضحي بواحد لنحفظ سلامة الملايين في صحة وعافية ؟ ألا يرون ما يحدث مثلا في وباء الطاعون الذي أعجز العلماء حتى الآن، ولم يجدوا له علاجا، وكيف أن الشرع أمرنا إن نزل الطاعون بأرض ألا نذهب إليها، وأمر من فيها ألا يخرجوا منها، لماذا ؟ لنحصر هذا الوباء حتى لا يستشري بين الناس.
كذلك الحال في مسألة الزنا، لأن الزاني لا يقتصر شره عليه وحده، إنما يتعدى شره إلى المجتمع كله، مع مراعاة أن الشرع فرق بين الزاني المحصن وغير المحصن، وكذلك الزانية، ففي حالة الإحصان تتعدد الماءات في المكان الواحد، لذلك سئلنا في سان فرانسيسكو : لماذا أبحتم تعدد الزوجات، ولم تبيحوا تعدد الأزواج ؟ هذا منهم على سبيل قياس الرجل على المرأة : لماذا لا تتزوج المرأة وتجمع بين أربعة رجال ؟.
قلت
١ قال القرطبي في تفسيره (٦/٤٦٩٣): "مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: علموا نساءكم سورة النور"..