مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾.
اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدا، قال المفسرون : نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر، وقد كان يتيما في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن علي أحد منكم، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت ! فقال قد كان ذلك تعجبا من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، فبعث رسول الله ﷺ يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتابا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره، وقرأ رسول الله ﷺ الآية عليه فلما وصل إلى قوله :﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي، وقد تجاوزت عما كان، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم، أما إذا عفا عنكم فمرحبا بكم، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في قوله :﴿ولا يأتل﴾ وجهين : الأول : وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف، افتعل من الألية، والمعنى لا يحلف، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين : أحدهما : أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأمورا به ؛ وثانيهما : أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت، وإنما يوجد مكان فعلت، وهنا آليت من الألية افتعلت. فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلانا نصحا، ولم آل في أمري جهدا، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحدا، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيرا افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول، ويروى هذا التأويل أيضا عن أبي عبيدة. أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن ( لا ) تحذف في اليمين كثيرا قال الله تعالى :﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا﴾ يعني أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس :
فقلت يمين الله أبرح قاعداولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي
أي لا أبرح، وأجابوا عن السؤال الثاني، أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة في اللغة فكيف الكل، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل.
المسألة الثانية : أجمع المفسرون على أن المراد من قوله :﴿أولوا الفضل﴾ أبو بكر، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول ﷺ لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله :﴿والسعة﴾ تكريرا فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساويا له في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلا، فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقا غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول ﷺ فيبقى معمولا به في حق الغير، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر بالغ إلى حد التواتر، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر، وأيضا فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل الناس، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي، فإذا بينا أنه ليس المراد عليا تعينت الآية لأبي بكر، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه عليا لوجهين : الأول : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجا. الثاني : أنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وإن عليا لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعا، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها : أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه كقوله تعالى :﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾، ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه ! وثانيها : وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلا على الإطلاق كان مفضلا على الإطلاق. وثالثها : أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلا لأنه أعطى مالا ينبغي، ومن أعطى ليستفيد منه عوضا إما ماليا أو مدحا أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه بذلك فقال :﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ وقال في حق علي :﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا﴾ فعلي أعطى للخوف من العقاب، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في الإفضال أتم وأكمل. ورابعها : أنه قال :﴿أولوا الفضل منكم﴾ فكلمة من للتمييز، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل، والصفة التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير، وإلا لما كانت مميزة له بعينه، فدل ذلك على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره البتة. وخامسها : أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله :﴿والسعة﴾ على الإحسان إلى المسلمين، فكأنه كان مستجمعا للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله :﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين قال له :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. وسادسها : إنما يكون الإنسان موصوفا بالسعة لو كان جوادا بذولا، ولقد قال عليه الصلاة والسلام :«خير الناس من ينفع الناس » فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة، ولقد كان رضي الله عنه جوادا بذولا في كل شيء، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ بعد أن أسلموا على يده، وكان جوده في التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدنيا كما هو مشهور، فيحق له أن يوصف بأنه من أهل السعة، وأيضا فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل إسلام علي أو بعده، ولكن اتفقوا على أن عليا حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد ﷺ وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالا بالدعوة إلى دين محمد، ولا شك أن أجل المراتب في الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول ﷺ هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال :«من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضا. وسابعها : أن الظلم من ذوي القربى أشد، قال الشاعر :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةعلى المرء من وقع الحسام المهند
وأيضا فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي، والجهتان كانتا مجتمعتين في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع الإيذاء، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر، ثم إنه سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ». وثامنها : أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلبا من أن تقيم للدنيا وزنا، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين. وتاسعها : أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم، وهذا وأيضا منقبة عظيمة. وعاشرها : قوله :﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ وفيه وجوه. منها : أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى :﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ومنها : أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه، أما التقوى فلقوله تعالى :﴿وسيجنبها الأتقى﴾ وأما العفو فلقوله تعالى :﴿وليعفوا وليصفحوا﴾. وحادي عاشرها : أنه سبحانه قال لمحمد ﷺ :﴿فاعف عنهم واصفح﴾ وقال في حق أبي بكر ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله ﷺ في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح. وثاني عشرها : قوله :﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ فإنه سبحانه ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم، وأيضا فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه، ثم قوله :﴿يغفر الله لكم﴾ بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول ﷺ في قوله :﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ودليلا على صحة إمامته رضي الله عنه فإن إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفورا له على الإطلاق ودليلا على صحة ما ذكره الرسول ﷺ في خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر في الجنة. وثالث عشرها : أنه سبحانه وتعالى لما قال :﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ وصف نفسه بكونه غفورا رحيما، والغفور مبالغة في الغفران فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدل على التعظيم، وعظم نفسه سبحانه حيث وصفه بمبالغة الغفران، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة الصادرة منه لأجله لابد وأن تكون في غاية التعظيم،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى