محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٢ من سورة النّور في ١١٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٢ من سورة النّور

١١٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَاْ أُوْلِي الْقُرْبَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني ذوي التفضل والسّعة يقول : وذوو الجِدَة.
واختلف القرّاء في قراءة قوله : وَلا يأْتَلِ فقرأته عامة قرّاء الأمصار : وَلا يَأْتَلِ بمعنى : يفتعل من الأَلِيّة، وهي القسم بالله سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم، فإنه ذُكِر عنهما أنهما قرآ ذلك :«وَلا يَتأَلّ » بمعنى : يتفعّل، من الأَلِية.
والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ : ولا يأَتَل بمعنى يفتعل من الأَلِية وذلك أن ذلك في خطّ المصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ المصحف، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله. وإنما عُنِي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مِسْطَح، فقال جلّ ثناؤه : ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألاّ يُعْطُوا ذَوِي قَرابتهم فيصِلوا به أرحامهم، كمِسْطح، وهو ابن خالة أبي بكر. والمساكين : يقول : وذوي خَلّة الحاجة، وكان مِسْطح منهم، لأنه كان فقيرا محتاجا. والمهاجرين في سبيل الله وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مِسْطَح منهم لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا. وَلْيَعْفُوا يقول وليعفُوا عما كان منهم إليهم من جُرم، وذلك كجرم مِسْطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك. وَلْيَصْفَحُوا يقول : وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم. ألا تُحِبّونَ أنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ يقول : ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها. وَاللّهُ غَفُورٌ لذنوب من أطاعه واتبع أمره، رحيم بهم أن يعذّبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها وتابوا إليه من فعلها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عَلقمة بن وقّاص الليثيّ، وعن سعيد بن المسيب، وعن عرورة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. قال : وثني ابن إسحاق، قال : حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة. قال : وثني ابن إسحاق، قال : ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت : لما نزل هذا يعني قوله : إنّ الّذِينَ جاءُوا باْلإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخل عليها ما أدخل قالت : فأنزل الله في ذلك : وَلا يأَتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ. . . الآية. قالت : فقال أبو بكر : والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقتَه التي كان يُنفِق عليه، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا.
حدثني عليّ، قال حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ يقول : لا تُقْسِموا ألاّ تنفعوا أحدا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ. . . إلى آخر الآية، قال : كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد رَمَوا عائشة بالقبيح وأفشَوا ذلك وتكلوا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فيهم أبو بكر، ألاّ يتصدّق على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصله، فقال : لا يُقْسِم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يُغْفَر لهم وأن يُعْفَى عنهم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ : لما أنزل الله تعالى ذكره عذر عائشة من السماء، قال أبو بكر وآخرون من المسلمين : والله لا نصل رجلا منهم تَكَلّم بشيء من شأن عائشة ولا ننفعه فأنزل الله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعة يقول : ولا يحلف.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولي القُرْبَى قال : كان مِسْطَح ذا قرابة. والَمَساكِينَ قال : كان مسكينا. وَالمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّه كان بدْريّا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ قال : أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيما في حِجْره كان أشاع ذلك. فلما نزلت هذه الآية قال : بلى أنا أحبّ أن يغفر الله لي، فلأكونن ليتيمي خيرَ ما كنت له قطّ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (٢١)﴾
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذ اعتكموها فيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، وهي الزنا، والمنكر من القول.
وقد بَيَّنَّا معنى الخطوات والفحشاء فيما مضى بشواهده، ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾
يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تَطَهَّر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهرُ من يشاء من خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) يقول: ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشرّ يدفعه عن نفسه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) قال: ما زكى: ما أسلم، وقال: كلّ شيء في القرآن من زكى أو تَزكى، فهو الإسلام.
وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يقول: والله سميع لما تقولون بأفواهكم، وتَلَقَّوْنه بألسنتكم، وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم، محيط به، محصيه عليكم، ليجازيكم بكل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾
يقول تعالى ذكره: ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني: ذوي التفضل والسَّعة، يقول: وذوو الجِدَه.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: (ولا يَأْتَلِ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار. (وَلا يَأْتَلِ) بمعنى: يفتعل من الألَيَّة، وهي القسم بالله، سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم، فإنه ذكر عنهما أنهما قرآ ذلك "وَلا يَتألّ" بمعنى: يتفعل، من الألِية.
والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (ولا يَأْتَلِ) بمعنى: يفتعل من الألية، وذلك أن ذلك في خطّ المصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ المصحف، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله، وإنما عُنِي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مِسْطَح، فقال جلّ ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألا يُعْطُوا ذَوي قَرابتهم، فيصلوا به أرحامهم، كمِسْطح، وهو ابن خالة أبي بكر (والمسَاكِين) يقول: وذوي خَلَّة الحاجة، وكان مِسْطح منهم؛ لأنه كان فقيرا محتاجا (وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مِسْطَح منهم; لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا (وَلْيَعْفُوا) يقول: وليعفوا عما كان منهم إليهم من جُرم، وذلك كجرم مِسطَح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك، (وَلْيَصْفَحُوا) يقول: وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم، (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها (واللهُ غَفُورٌ) لذنوب من أطاعه واتبع أمره، (رَحِيمٌ) بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره، وطاعتهم إياه على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عَلقمة بن وقاص الليثيّ، وعن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: لما نزل هذا، يعني قوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ من الأليَّة، [ وهي : الحلف ](١) أي : لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي : الطَّول والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَة﴾ أي : الجِدَةَ ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي : لا تحلفوا ألا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذه(٢) في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام ؛ ولهذا قال :﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي : عما تقدم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.
وهذه الآية نزلت في الصدِّيق، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث. فلما أنزل الله براءةَ أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على مَن كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على مَن أقيم عليه(٣) - شَرَع تبارك وتعالى، وله الفضل والمنة، يعطفُ الصدِّيق على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر، رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد وَلَق وَلْقَة(٤) تاب الله عليه منها، وضُرب الحد عليها. وكان الصديق، رضي الله عنه، معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب. فلما نزلت هذه الآية إلى قوله :﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي : فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر(٥) عن المذنب إليك نغفر(٦) لك، وكما تصفح نصفح(٧) عنك. فعند ذلك قال الصديق : بلى، والله إنا نحب - يا ربنا - أن تغفر لنا. ثم رَجَع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال : والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان قال : والله لا(٨) أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصدّيق هو الصديق [ رضي الله عنه وعن بنته ](٩).
١ - زيادة من ف، أ..
٢ - في ف :"وهذا"..
٣ - في ف، أ :"من أقيم الحد عليه"..
٤ - في ف :"زلق زلقة"..
٥ - في ف :"يغفر"..
٦ - في ف :"يغفر"..
٧ - في ف :"يصفح"..
٨ - في ف :"ما"..
٩ - زيادة من ف، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ مِنَ الأليَّة، [وَهِيَ: الْحَلِفُ] (١) أَيْ: لَا يَحْلِفْ ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أَيِ: الطَّول وَالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ ﴿وَالسَّعَة﴾ أَيِ: الجِدَةَ ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: لَا تَحْلِفُوا أَلَّا تَصِلُوا قَرَابَاتِكُمُ الْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ. وَهَذِهِ (٢) فِي غَايَةِ التَّرَفُّقِ وَالْعَطْفِ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أَيْ: عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنَ الْإِسَاءَةِ وَالْأَذَى، وَهَذَا مِنْ حِلْمِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الصدِّيق، حِينَ حَلَفَ أَلَّا يَنْفَعَ مِسْطَح بْنَ أُثَاثَةَ بِنَافِعَةٍ بَعْدَمَا قَالَ فِي عَائِشَةَ مَا قَالَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ. فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ براءةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَطَابَتِ النُّفُوسُ الْمُؤْمِنَةُ وَاسْتَقَرَّتْ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَى مَن كَانَ تَكَلَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ، وَأُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَن أُقِيمَ عَلَيْهِ (٣) -شَرَع تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ، يعطفُ الصدِّيق عَلَى قَرِيبِهِ وَنَسِيبِهِ، وَهُوَ مِسْطَح بْنُ أُثَاثَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ خَالَةِ الصَّدِيقِ، وَكَانَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ إِلَّا مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ وَلَق وَلْقَة (٤) تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وضُرب الْحَدَّ عَلَيْهَا. وَكَانَ الصَّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعْرُوفًا بِالْمَعْرُوفِ، لَهُ الْفَضْلُ وَالْأَيَادِي عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَكَمَا تَغْفِرُ (٥) عَنِ الْمُذْنِبِ إِلَيْكَ نَغْفِرُ (٦) لَكَ، وَكَمَا تَصْفَحُ نَصْفَحُ (٧) عَنْكَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الصَّدِّيقُ: بَلَى، وَاللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ -يَا رَبَّنَا -أَنْ تَغْفِرَ لَنَا. ثُمَّ رَجَع إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يَصِلُهُ مِنَ النَّفَقَةِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، فِي مُقَابَلَةِ مَا كَانَ قَالَ: وَاللَّهِ لَا (٨) أَنْفَعُهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ هُوَ الصَّدِّيقُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ بِنْتِهِ] (٩).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾
هَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ -خُرِّج مَخْرَجَ الْغَالِبِ -الْمُؤْمِنَاتِ.
فَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي هَذَا مِنْ كُلِّ مُحَصَّنَةٍ، وَلَا سِيَّمَا الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ، وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصَّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّها بَعْدَ هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ [بَعْدَ هذا
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) في ف: "وهذا".
(٣) في ف، أ: "من أقيم الحد عليه".
(٤) في ف: "زلق زلقة".
(٥) في ف: "يغفر".
(٦) في ف: "يغفر".
(٧) في ف: "يصفح".
(٨) في ف: "ما".
(٩) زيادة من ف، أ.
الَّذِي ذُكِرَ] (١) فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْقُرْآنِ. وَفِي بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُنَّ كَهِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الْأَحْزَابُ: ٥٧] (٢).
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِعَائِشَةَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش، عَنِ العَوَّام، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [قَالَ] (٣) : نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ خَاصَّةً.
وَكَذَا قَالَ [سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَ] (٤) مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَة الضَّبِّي، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: رُميت بِمَا رُمِيتُ بِهِ وَأَنَا غَافِلَةٌ، فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدِي (٥) إِذْ أُوحِيَ، (٦) إِلَيْهِ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبات، وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدِي، ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي". قَالَتْ: قُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ. فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، حَتَّى قَرَأَ: (٧) ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النُّورِ: ٢٦] (٨).
هَكَذَا أَوْرَدَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ خَاصٌّ بِهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا سَبَبُ النُّزُولِ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ يَعُمُّهَا كَغَيْرِهَا، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَسَلَمَةُ بْنُ نُبَيْط: الْمُرَادُ بِهَا أَزْوَاجُ النَّبِيِّ خَاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ.
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ: يَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَمَاهُنَّ أَهْلُ النِّفَاقِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ، وَبَاؤُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فَكَانَ (٩) ذَلِكَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ، فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ تُرَدّ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوُشَبٍ، عَنْ شَيْخٍ (١٠) مَنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ: فَسَّرَ سُورَةَ النُّورِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا﴾ الْآيَةَ -قَالَ: فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الْآيَةَ [النور: ٤، ٥]، قال: فجعل
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) في ف: "والآخرة ولهم عذاب مهين" وهو خطأ.
(٣) زيادة في ف، أ.
(٤) زيادة في ف، أ.
(٥) في ف، أ. "عندي جالس".
(٦) في ف، أ. "أوحى الله تعالى إليه".
(٧) في ف، أ: "بلغ".
(٨) تفسير الطبري (١٨/٨٢).
(٩) في ف: "وكان".
(١٠) في ف، أ: "العوام بن حوشب عن حوشب عن شيخ".
لِهَؤُلَاءِ تَوْبَةً وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَةً، قَالَ: فَهَمَّ بعضُ الْقَوْمِ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ فَيُقَبِّلَ رَأْسَهُ، مِنْ حُسْنِ مَا فسَّر بِهِ سُورَةَ النُّورِ (١).
فَقَوْلُهُ: "وَهِيَ مُبْهَمَةٌ"، أَيْ: عَامَّةٌ فِي تَحْرِيمِ قَذْفِ كُلِّ مُحْصَنَةٍ، ولَعْنته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هَذَا فِي عَائِشَةَ، وَمَنْ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا الْيَوْمَ فِي الْمُسْلِمَاتِ، فَلَهُ مَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ عَائِشَةُ كَانَتْ إمامَ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ عُمُومَهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَيُعَضِّدُ الْعُمُومَ (٢) مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ -حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الغَيث (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، بِهِ (٤).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو بْنِ خَالِدٍ الحَذَّاء الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو شُعَيب الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَة بْنِ زُفَر، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ" (٥).
وَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنِ المِنْهَال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّهُمْ -يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ -إِذَا رَأوا أَنَّهُ لَا يدخلُ الجنةَ إِلَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ، قَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْحَدَ. فَيَجْحَدُونَ فَيَخْتِمُ [اللَّهُ] (٦) عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، عُرف الْكَافِرُ بِعَمَلِهِ، فَيَجْحَدُ وَيُخَاصِمُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ. فَيَقُولُ: كَذَبُوا. فَيَقُولُ: أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ. فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيَقُولُ: احْلِفُوا. فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصمِتهم اللَّهُ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ" (٧).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا
(١) تفسير الطبري (١٨/٨٣).
(٢) في ف، أ: "الصحيح".
(٣) في أ: "المغيب".
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩).
(٥) المعجم الكبير للطبراني (٣/١٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٦/٢٧٩) :"وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد يحسن حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٦) زيادة من ف، أ.
(٧) تفسير الطبري (١٨/١٠٥) ورواه أبو يعلى في مسنده برقم (١٣٩٢) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ به، ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أي : لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ كان من جملة الخائضين في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، لقوله الذي قال.
فنزلت هذه الآية، ينهاهم(١) عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، فقال :﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر - لما سمع هذه الآية- : بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم.
١ - كذا في النسختين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١١ - ٢٦} ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. إلى آخر الآيات
وهو قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد.
وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ﴾ أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] (١) ومنهم المنافق.
﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد النبي ﷺ منهم جماعة، ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أي: معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.
ثم أرشد الله عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا، وهو السلامة مما رموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، ﴿وَقَالُوا﴾ بسبب ذلك الظن ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك من كل سوء، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها. فهذا من الظن الواجب، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل لذلك.
﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، بأربعة شهداء أي: عدول مرضيين. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ولم يقل " فأولئك هم الكاذبون " وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ بحيث شملكم إحسانه فيهما، في أمر دينكم ودنياكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ﴾ أي: خضتم ﴿فِيهِ﴾ من شأن الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لاستحقاقكم ذلك بما قلتم، ولكن من فضل الله عليكم ورحمته، أن -[٥٦٤]- شرع لكم التوبة، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تلقفونه، ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون حديثه، وهو قول باطل. ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والأمران محظوران، التكلم بالباطل، والقول بلا علم، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ فلذلك أقدم عليه من أقدم من المؤمنين الذين تابوا منه، وتطهروا بعد ذلك، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيه الزجر البليغ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا، ولا يخفف من عقوبة الذنب، بل يضاعف الذنب، ويسهل عليه مواقعته مرة أخرى.
﴿ولَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: وهلا إذ سمعتم -أيها المؤمنون- كلام أهل الإفك ﴿قُلْتُمْ﴾ منكرين لذلك، معظمين لأمره: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: ما ينبغي لنا، وما يليق بنا الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾ أي: كذب عظيم. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ دل ذلك على أن الإيمان الصادق، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات. ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ المشتملة على بيان الأحكام، والوعظ، والزجر، والترغيب، والترهيب، يوضحها لكم توضيحا جليا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: كامل العلم عام الحكمة، فمن علمه وحكمته، أن علمكم من علمه، وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟ " وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة.
وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فلذلك علمكم، وبين لكم ما تجهلونه.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قد أحاط بكم من كل جانب ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ عليكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لما بين لكم هذه الأحكام والمواعظ، والحكم الجليلة، ولما أمهل من خالف أمره، ولكن فضله ورحمته، وأن ذلك وصفه اللازم آثر لكم من الخير الدنيوي والأخروي، ما لن تحصوه، أو تعدوه.
ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه، نهى عن الذنوب عموما فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: طرقه ووساوسه.
وخطوات الشيطان، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان والبدن. ومن حكمته تعالى، أن بين الحكم، وهو: النهي عن اتباع خطوات الشيطان. والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه، من الشر المقتضي، والداعي لتركه فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه. فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان، لا تخرج عن ذلك، فنهي الله عنها للعباد، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه، لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم، أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى، هو وجنده، في الدعوة إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ من يعلم منه أن يزكى بالتزكية، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ كان من جملة الخائضين في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، لقوله الذي قال.
فنزلت هذه الآية، ينهاهم (٢) عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، فقال: -[٥٦٥]- ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر - لما سمع هذه الآية-: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم.
ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: العفائف عن الفجور ﴿الْغَافِلاتِ﴾ التي لم يخطر ذلك بقلوبهن ﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير.
وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته.
وذلك العذاب يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكل جارحة تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فل
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَلَا يَاتَلِ
لَا يَحْلِفْ.
أُوْلُوا الْفَضْلِ
أَهْلُ الفَضْلِ فِي الدِّينِ، وَالمَالِ.

إعراب الآية ٢٢ من سورة النّور

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة النور (٢٤) : آية ١٧]

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا في موضع نصب.

[سورة النور (٢٤) : آية ١٩]

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)
فتواعدهم الله جلّ وعزّ على إرادة الفسق أي إذاعة الفاحشة في الذين آمنوا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء.

[سورة النور (٢٤) : آية ٢١]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)
هو من ذوات الواو وإن كان قد كتب بالياء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رحمه الله في قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء ينفع به نفسه أو ينفي به ما يدفعه عن نفسه.

[سورة النور (٢٤) : آية ٢٢]

وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ حذفت الياء للجزم، قرأ يزيد بن القعقاع وزيد بن أسلم. ولا يتألّ أولوا الفضل «١» حذفت الألف للجزم. والمعنى واحد، كما تقول:
فلان يتكسّب ويكتسب.

[سورة النور (٢٤) : آية ٢٣]

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣)
من أحسن ما قيل في هذا أنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى، والتقدير:
الذين يرمون الأنفس المحصنات فدخل في هذا المذكّر والمؤنّث. وكذا: في الذين يرمون، إلّا أنه غلّب المذكّر على المؤنّث.

[سورة النور (٢٤) : آية ٢٥]

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)
وقرأ مجاهد يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ «٢» يرفع الحقّ على أنه نعت لله جلّ وعزّ. قال أبو عبيد: ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع، ليكون نعتا لله جلّ
(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٤، ومختصر ابن خالويه ١٠١.
(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٢ من سورة النّور

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

١٢٦ - قال اللَّه تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا، فقال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: واللَّه لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى.. ) الآية قال أبو بكر: بلى والله إني لأُحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أَنزعها عنه أبداً.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي وابن عاشور.
قال الطبري: (وإنما عُني بذلك أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حلفه بالله لا ينفق على مسطح فقال جل ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون باللَّه ألا يُعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم كمسطح وهو ابن خالة أبي بكر). اهـ.
قال ابن العربي: (قد بينا أن ذلك نزل في أبي بكر، قالت عائشة في حديثها فحلف أبو بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً فأنزل الله الآية: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ) قال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن يغفر لنا وعاد لما كان يصنع له). اهـ.
قال ابن عطية: (المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر ومسطح بن أُثاثة وذكر كلامًا حتى قال: وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قاله حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً). اهـ.
وقال ابن كثير: (وهذه الآية نزلت في الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أُثاثة بنافعةٍ أبداً بعدما قال في عائشة ما قال). اهـ.
وقال السعدي: (كان من جملة الخائضين في الإفك (مسطح بن أثاثة) وهو قريب لأبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكان مسطح فقيراً من المهاجرين في سبيل اللَّه، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه لقوله الذي قال، فنزلت هذه الآية ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه ويحثه على العفو والصفح ويعده بمغفرة الله إن غفر له). اهـ.
وقال الشنقيطي: (نزلت هذه الآية في أبي بكر ومسطح بن أثاثة ابن عباد بن عبد المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنةَ خالة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة بالإفك المذكور فلما نزلت براءة عائشة حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ولا ينفعه بنافعةٍ بعدما رمى عائشة بالإفك ظلماً وافتراءً فأنزل اللَّه في ذلك:
(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) الآية اهـ بتصرف يسير.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة الحديث المذكور لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به والله أعلم.

القراءات في الآية ٢٢ من سورة النّور

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

يَأْتَلِ

(يَأْتَلِ) بياء وتاء مفتوحتان وبينهما همزة ساكنة محققة وبكسر اللام بعدهما

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(يَاتَلِ) بياء وتاء مفتوحتان وبينهما ألف وبكسر اللام بعدهما

السوسي عن أبي عمرو ورش عن نافع

(يَتَأَلَّ) بياء ثم تاء ثم همزة ثم لام وكلهم بالفتح مع تشديد اللام

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٢ من سورة النّور

١٢ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٠ أقوال
١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ قال: كان مِسطحٌ ذا قرابة، ﴿والمساكين﴾ قال: كان مسكينًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾: كان بَدْرِيًّا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٦.
٢
قال يحيى بن سلّام: ﴿أولو الفضل منكم والسعة﴾ الغنى، ﴿أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ أي: فكما تُحِبُّون أن يغفر الله لكم فاعفوا واصفحوا... ذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله دعا أبا بكر، فتلاها عليه، فقال: «أما تُحِبُّ أن يعفو الله عنك؟». قال: بلى. قال: فاعفُ، وتجاوز. فقال أبو بكر: لا جَرَمَ، واللهِ، لا أمنعه معروفًا كنت أُولِيه إيّاه قبل اليوم١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٤٣٥.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل﴾، يقول: لا تُقسِموا ألّا تنفعوا أحدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٥، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج عن عطاء، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك-: ﴿ولا يأتل﴾ يريد: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم والسعة﴾ يريد: ولا يحلف أبو بكر ألّا يُنفِقَ على مِسْطَح، ﴿ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ فقد جعلتُ فيك -يا أبا بكر- الفضلَ، وجعلت عندك السَّعةَ والمعرفة بالله، فتعَطَّف -يا أبا بكر- على مِسْطَح، فله قرابةٌ، وله هِجرةٌ، ومسكنة، ومشاهد رَضِيتُها منه يوم بدر، ﴿ألا تحبون﴾ يا أبا بكر ﴿أن يغفر الله لكم﴾ يريد: فاغفِر لِمسطَح، ﴿والله غفور رحيم﴾ يريد: فإنِّي غفور لِمَن أخطأ، رحيم بأوليائي١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني مطولًا ٢٣‏/‏١٣٠-١٣٣، ومضى بتمامه في إجمال تفسير الآيات.
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-: ﴿ولا يأتل﴾ أي: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم﴾ يعني: في الغِنى؛ أبا بكر الصديق، ﴿والسعة﴾ يعني: في الرِّزق، ﴿أن يؤتوا أولي القربى﴾ يعني: مسطح بن أثاثة، قرابة أبي بكر وابن خالته، ﴿والمساكين﴾ يعني: لأنّ مِسطحًا كان فقيرًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾ يعني: لأنّ مسطحًا كان من المهاجرين، ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ يعني: لِيتجاوزوا عن مِسْطَح، ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾. فقال النبيُّ ﷺ لأبي بكر: «أما تُحِبُّ أن يغفر الله لك؟». قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فاعفُ، واصفح». فقال أبو بكر: قد عفوتُ وصفحتُ، لا أمنعه معروفًا بعد اليوم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٤-٢٥٥٦، والطبراني في الكبير ٢٣‏/‏١٥٠ (٢٢٥)، ومضى بتمامه في تفسير الآيات مجموعة.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾، قال: أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيمًا في حِجره، كان أشاع ذلك. فلمّا نزلت هذه الآية قال: بلى، أنا أُحِبُّ أن يغفر الله لي، فلَأكُونَنَّ ليتيمي خيرَ ما كُنتُ له قطّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٦.
٧
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾، يقول: ولا يحلف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٥، وإسحاق البستي في تفسيره ص٤٤٨.
٨
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿ولا يأتل﴾، قال: ولا يحلف١٢
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٤٣٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٦/٣٦٢-٣٦٣) هذا القول، ثم قال: «وقالت فرقة: معناه: يُقَصِّر، مِن قولك: ألوتُ في كذا. إذا قصرتَ فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ [التوبة:٤٧]».
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يأتل﴾ يعني: ولا يحلِف ﴿أولوا الفضل منكم﴾ يعني: في الغِنى، ﴿والسعة﴾ في الرِّزق، يعني: أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ﴿أن يؤتوا أولي القربى﴾ يعني: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وأمه اسمها: أسماء بنت أبي جندل بن نهشل، قرابة أبي بكر الصديق ابن خالته، ﴿والمساكين﴾ لأنّ مِسطحًا كان فقيرًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾ لأنّه كان مِن المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة، ﴿وليعفوا﴾ يعني: وليتركوا، ﴿وليصفحوا﴾ يعني: ولْيتجاوزوا عن مِسْطَح، ﴿ألا تحبون﴾ يعني: أبا بكر ﴿أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ يعني: بالمؤمنين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه: «أما تُحِبُّ أن يغفر الله تعالى لك؟». قال: بلى. قال: «فاعفُ، واصفح». فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت، لا أمنعه معروفًا بعد اليوم، وقد جعلتُ له مثل ما كان قبل اليوم. وكان أبو بكر قد حرمه تلك العَطِيَّة حين ذكر عائشة بالسوء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٩٢-١٩٣.
١٠
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-: وكان مسطح من المسلمين، وكان من المساكين المهاجرين في سبيل الله، فأمر الله أبا بكر والذين حلفوا معه أن يُنفقوا على مسطح، ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٥.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن أبي ماجد الحنفي، قال: رأيت عبد الله [بن مسعود] أتاه رجلٌ برجلٍ نَشْوان، فأقام عليه الحدَّ، ثم قال للرجل الذي جاء به: ما أنت منه؟ قال: عمُّه. قال: ما أحسنت الأدبَ، ولا سترتَ، ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم﴾ الآية. ثم قال عبد الله: إنِّي لأذكر أولَ رجل قطعه النبي ﷺ؛ أُتِي برجل، فلمّا أُمِر به ليقطع يده كأنما سُفَّ وجهه رمادًا١، فقيل: يا رسول الله، كأن هذا شقَّ عليك. قال: «لا ينبغي أن تكونوا للشيطان عَوْنًا على أخيكم، فإنّه لا ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه حدٌّ إلّا أن يقيمه، وإنّ الله عَفُوٌّ يُحِبُّ العفو». ثم قرأ: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم﴾٢
التخريج
  1. ١كأنما سُفَّ وجهه رمادًا: تغير كأنما ذُرّ عليه الرماد. النهاية (سفف).
  2. ٢أخرجه أحمد ٧‏/‏٨٤-٨٥ (٣٩٧٧)، ٧‏/‏٢٣٢-٢٣٣ (٤١٦٨، ٤١٦٩)، والحاكم ٤‏/‏٤٢٤ (٨١٥٥)، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٥-٢٥٥٦ (١٤٢٧٩). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٢٧٥ (١٠٦٥٦، ١٠٦٥٧، ١٠٦٥٨): «رواه كله أحمد... وأبو ماجد الحنفي ضعيف».
٢
عن أبي سلمة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما نقص مال مِن صدقة قط، فتصَدَّقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله عِزًّا، فاعفوا يُعِزُّكم الله، ولا فَتَحَ رجلٌ على نفسه مسألة الناس إلا فتح الله له باب فَقْرٍ، ألا إنّ العِفَّة خير»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٢‏/‏٣٧٤ (٢٢٧٠)، وفي الصغير ١‏/‏١٠٢ (١٤٢)، وابن سمعون الواعظ في أماليه ص١٣٧-١٣٨ (٨٨)، جميعهم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة. قال ابن سمعون: «قال علي بن حرب: مَن روى هذا عَنِّي عن قاسم الجزمي فقد كذب عَلَيَّ». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٠٥ (٤٥٧٩): «رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه زكريا بن دويد، وهو ضعيف جدًّا». وأورده الدارقطني في العلل ١٥‏/‏٢١١ (٣٩٥٦).
٣
عن عائشة -من طريق عروة-: أنّ أبا بكر كَفَّر يمينه لذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٤٣٥.

نزول الآية

١٠ أقوال
١
عن عائشة، قالت: كان مِسْطَح بن أثاثة مِمَّن تولى كِبْرَه مِن أهل الأفك، وكان قريبًا لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر ألّا يُنيله خيرًا أبدًا؛ فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ الآية. قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال: لا أحلِف على يمين فأرى غيرَها خيرًا منها إلا تحلَّلْتُها، وأتيتُ الذي هو خير١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عائشة، قالت:... [لَمّا أنزل اللهُ براءتي] قال أبو بكر -وكان يُنفق على مِسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: واللهِ، لا أُنفِق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين﴾ إلى قوله: ﴿رحيم﴾. قال أبو بكر: بلى، واللهِ، إنِّي أُحِبُّ أن يغفر الله لي. فرَجع إلي مِسطح النفقة التي كان يُنفِق عليه، وقال: واللهِ، لا أنزِعُها منه أبدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه مطولًا البخاري ٣‏/‏١٧٣-١٧٦ (٢٦٦١)، ٥‏/‏١١٦-١٢٠ (٤١٤١)، ٦‏/‏١٠١-١٠٥ (٤٧٥٠)، ومسلم ٤‏/‏٢١٢٩-٢١٣٦ (٢٧٧٠)، وابن جرير ١٧‏/‏١٩٧-٢٠٤، وتقدم بتمامه في نزول آيات الإفك في أول القصة، كما تقدمت آثار أخرى سوى هذه عن عائشة، وأم رومان، وابن عمر رضي الله عنهم.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ الآية، قال: كان ناس مِن أصحاب رسول الله ﷺ قد رَمَوْا عائشةَ بالقبيح، وأفْشَوْا ذلك، وتَكَلَّموا فيها، فأقسم ناسٌ مِن أصحاب رسول الله ﷺ -منهم أبو بكر- ألّا يتصدقوا على رجل تكلَّم بشيء مِن هذا، ولا يَصِلُوه، قال: لا يُقْسم أولو الفضل منكم والسَّعَة أن يَصِلوا أرحامَهم، وأن يُعطوهم مِن أموالهم، كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يُغفَر لهم، وأن يُعْفى عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٥. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-:... لَمّا أنزل الله عُذْرَ عائشة، وبَرَّأها، وكذَّب الذين قذفوها؛ حلف أبو بكر أن لا يَصِل مِسْطحَ بن أثاثة بشيء أبدًا؛ لأنّه كان في مَن ادَّعى على عائشة مِن القذف، وكان مسطح مِن المهاجرين الأولين، وكان ابنَ خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حِجْره فقيرًا، فلمّا حلف أبو بكر ألّا يَصِلَه نزلت في أبي بكر: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٤. وعزاه السيوطي إلى الطبراني. ومضى بتمامه في تفسير الآيات مجموعة.
٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾، قال: لَمّا أنزل الله -تعالى ذِكْرُه- عُذْرَ عائشة من السماء قال أبو بكر وآخرون مِن المسلمين: واللهِ، لا نَصِل رجلًا منهم تكلَّم بشيء مِن شأن عائشة، ولا ننفعه. فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٢٢٥، وإسحاق البستي في تفسيره ص٤٤٨ مرسلًا.
٦
عن الحسن البصري، قال: كان ذو قرابة لأبي بكر مِمَّن كثر على عائشة، فحلف أبو بكر لا يَصِله بشيء، وقد كان يَصِله قبل ذلك، فلمّا نزلت هذه الآية: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ إلى آخر الآية، فصار أبو بكر يُضْعِف له بعد ذلك -بعد ما نزلت هذه الآية- ضِعْفَي ما كان يعطيه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وهو مرسل.
٧
عن محمد بن سيرين، قال: حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حِجره، كانا فيمَن خاض في أمر عائشة، أحدهما مسطح بن أثاثة -قد شهِد بدرًا-، فحلف لا يَصِلُهما، ولا يُصيبان منه خيرًا؛ فنزلت هذه الآية: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآيةُ في رجل مِن قريش يُقال له: مسطح. كان بينه وبين أبي بكر قرابة، وكان يتيمًا في حِجْره، وكان فيمَن أذاع على عائشة ما أذاع، فلمّا أنزل الله براءتها وعُذرَها، تَأَلّى أبو بكر لا يَرْزَؤه خيرًا؛ فأنزل الله هذه الآية. فذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ دعا أبا بكر، فتلاها عليه، فقال: «أما تُحِبُّ أن يغفر الله لك؟». قال: بلى. قال: «فاعفُ عنه، وتَجاوَز». فقال أبو بكر: لا جَرَمَ، واللهِ، لا أمنعه معروفًا كُنت أُولِيهِ قبل اليوم١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٢٣‏/‏١٥٠ (٢٢٤) مرسلًا.
٩
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَير بن معروف- قال: حلف أبو بكر لا ينفع مِسطح بن أثاثة، ولا يَصِلُه، وكان بينه وبين أبي بكر قرابةٌ مِن قِبَل النساء، فأقبل إلى أبي بكر يعتذر، فقال مسطح: جعلني الله فداك، واللهِ الذي أنزل على محمد، ما قذفتُها، وما تكلمت بشيء مِمّا قيل لها، أيْ خال. وكان أبو بكر خالَه، قال أبو بكر: ولكن قد ضَحِكْتَ، وأعجبك الذي قيل فيها. قال: لعلَّه يكون قد كان بعض ذلك. فأنزل الله في شأنه: ﴿ولا يأتل أولو الفضل﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٥٤ مرسلًا.
١٠
قال سفيان الثوري، في قوله: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا﴾، قال: كانت أُمُّ مِسطح عند عائشة، فقالت أُمُّ مِسْطَح: تَعِس مِسْطَح. فقالت عائشةُ: لِمَ تقولين هذا؟! الرجلُ مِن المهاجرين. فقالت أمُّ مِسْطَح: أما تعلمين ما قد قيل؟ وكان مِسْطَح في مَن قال في عائشة، وكان يتيمًا في حِجْر أبي بكر، فقال أبو بكر: لا أنفعه بقليلٍ ولا كثير. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ إلى آخر الآية١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثوري ص٢٢٢-٢٢٣ وهو مرسل.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف هل كان نزول الآية لِما دار بين مِسْطح وأبي بكر، أم لأنّ جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كُلِّ مَن قال في الإفك. ورجَّح ابنُ عطية (٦/٣٦٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله الضحاك وابن عباس، فقال: «والأول أصح». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «غير أنّ الآية تتناول الأُمَّة إلى يوم القيامة بألّا يغتاظ ذو فضل وسَعَة فيحلف أن لا ينفع مَن هذه صفتُه غابِرَ الدَّهْرِ».
التفسير بالمأثور لسورة النّور كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٢ من سورة النّور

٣٨ وقفةً في هذه الآية

  • "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" عثرت بهم أقدامهم في الإفك فتولى الله الوصية بهم وسماهم مساكين ومهاجرين يارب ما أرحمك.

    — عبدالله بلقاسم

  • ( وليعفوا وليصفحوا ) التسامح من أعظم الأعمال التي تلقى بها ربّك ، اعفُ عمّن أساء لك ، يطهُر قلبُك، ويزول همّك ، وينشرح صدرك ، وتسكن نفسُك !!

    — عايض المطيري

  • هل تستطيع أن تغفر لمن تكلم في عِرض ابنتك يوما ما ، بل وتنفق عليه أيضا ، أبو بكر رضي الله عنه فعل هذا لقول ربه : (ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟).

    — عايض المطيري

  • [وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم و الله غفور رحيم] فاعفُ و اصفح .. رجاء أن يغفر لك الغفور الرحيم ....!

    — نايف الفيصل

  • " ولـيَعفوا وليَصفحوا .. أَلاَ تُحبونَ أن يَغفر الله لكم " كما تَغفر .. يغفر ﷻ لك .. وكما تعفو .. يعفو ﷻ عنك.

    — نايف الفيصل

  • "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور" فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك وكما تصفح نصفح عنك ابن كثير.

    — ابو حمزة الكناني

  • من علامات التوفيق : تطهير القلب من الحسد والأنانية والمسارعة إلى الصفح والعفو . ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾.

    — عبدالملك القاسم

  • ﴿ أﻻ تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ بلى ! نسألك أن تعين أنفسنا الغارقة بالشهوات المسارعة بالملذات الغافلة عن الممات .

    — روائع القرآن

  • (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى..) لا تقسم على ترك عمل صالح كنت تقوم به ﻷي سبب كان، لئلا تقطع على نفسك سبيلاً للجنة.

    — ماجد الزهراني

  • (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين)من السهل أن تواصل الإحسان لمن يقول:شكرا لكن الابتلاء أن تفعل ذلك مع من يؤلمك.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ الفقيه بوعد الله؛ من يدعو بخير لمن أساء واعتذر. فما عند الله أعظم من كل انتقام.

    — روائع القرآن

  • القلوب اليوم وهي في نهاية شهر الغفران أرق ما تكون في العام ، أفلا تعفو وتصفح ليغفر الله لها { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم }.

    — محمد الربيعة

و٢٦ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٢٢ من سورة النّور

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(22) And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال