الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ : في رفعهما وجهان : مذهب سيبويه أنَّه مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ أي : فيما يُتْلَى عليكم حكمُ الزانية. ثم بَيَّن ذلك بقوله :﴿فَاجْلِدُواْ﴾ إلى آخره. والثاني وهو مذهبُ الأخفش وغيرِه : أنه مبتدأٌ. والخبرُ جملة الأمر. ودخلت الفاءُ لشِبْه المبتدأ بالشرط. وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألةِ مستوفىً عند قولِه ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وعند قولِه ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] فأغنى عن إعادتِه.
وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر وشيبة ورُوَيْس بالنصبِ على الاشتغال. قال الزمخشري :" وهو أحسنُ مِنْ " سورةً أنزلناها " لأجلِ الأمر. وقُرِىء " واللذَّانِ " بلا ياءٍ.
قوله :﴿رَأْفَةٌ﴾ قرأ العامَّةُ هنا، وفي الحديد، بسكون الهمزة، وابنُ كثير بفتحها. وقرأ ابن جُرَيْج وتُروى أيضاً عن ابن كثير وعاصم " رَآفة " بألفٍ بعد الهمزة بزنةِ سَحابة، وكلُها مصادِرُ ل رَأَفَ به يَرْؤُف. وقد تقدَّم معناه. وأشهرُ المصادرِ الأولُ. ونقل أبو البقاء فيها لغةً رابعةً : وهي إبدالُ الهمزةِ ألفاً. ومثلُ هذا ظاهرٌ غيرُ محتاجٍ للتنبيهِ عليه فإنها لغةٌ مستقلةٌ وقراءةٌ متواترة.
وقرأ العامَّةُ " تَأْخُذْكم " بالتأنيثِ مراعاةً للَّفظِ. وعلي بن أبي طالب والسُّلمي ومجاهد بالياء مِنْ تحتُ ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ وللفصلِ بالمفعولِ والجارِّ. و " بهما " متعلقٌ ب " تَأْخُذْكم " أو بمحذوفٍ على سبيل البيانِ. ولا يتعلَّقُ ب " رَأْفة " لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم عليه معمولُه، وفي " دين الله " متعلقٌ بالفعلِ قبله أيضاً. وهذه الجملةُ دالَّةٌ على جوابِ الشرطِ بعدَها، أو هي الجوابُ عند بعضِهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى