بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿الزانية والزانى﴾ ؛ وقرأ بعضهم :﴿الزانية﴾ بالنصب على معنى : اجلدوا الزانية والزاني، وهكذا السارق والسارقة بالنصب على هذا المعنى ؛ ويقال : في الزنى بدأ بذكر المرأة، لأن الزنى في النساء أكثر ؛ وفي السرقة بدأ بالرجال، لأن السرقة في الرجال أكثر. وقراءة العامة بالرفع على معنى الابتداء، وقيل : إنما بدأ بالمرأة، لأنها أحرص على الزنى من الرجال ؛ ويقال : لأن الفعل ينتهي إليها، ولا يكون إلا برضاها.
ثم قال :﴿فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ﴾، يعني : إذا كانا غير محصنين ؛ ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله﴾. قرأ ابن كثير ﴿رَآفَةٌ﴾ بالهمزة والمد، وقرأ أبو عمرو بالمد بغير همز ؛ وقرأ الباقون بالهمز بلا مد ؛ ومعنى الكل واحد وهو الرحمة ؛ وقال بعضهم : الرأفة اسم جنس، والرحمة اسم نوع. قال بعضهم : الرأفة للمذنبين، والرحمة للتائبين، وهو قول سفيان الثوري ؛ وقال بعضهم : الرأفة تكون دفع المكروه، والرحمة إيصال المحبوب، يعني : لا تحملنكم الشفقة عليهما على ترك الحد، ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله﴾ ؛ يعني : في دين الله، أي في حكم الله ﴿إن كنتم تؤمنون بالله، واليوم الآخر﴾ ؛ يعني : يوم القيامة.
وإنما سمي اليوم الآخر، لأنه لا يكون بعده ليل ولا نهار، فيصير كله بمنزلة يوم واحد ؛ وقد قيل : إنه تجتمع الأنوار كلها، وتصير في الجنة يوماً واحداً، وجمعت الظلمات كلها في النار، وتصير كلها ليلة واحدة.
ثم قال :﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين﴾، يعني : ليحضر عند إقامة الحد طائفة من المؤمنين. وفي حضور الطائفة ثلاث فوائد : أولها أنهم يعتبرون بذلك، ويبلغ الشاهد الغائب والثانية أن الإمام إذا احتاج إلى الإعانة أعانوه، والثالثة لكي يستحي المضروب، فيكون زجراً له من العود إلى مثل ذلك الفعل ؛ وقال الزهري : الطائفة ثلاثة فصاعداً، وذكر عن أنس بن مالك أنه قال : أربعة فصاعداً، لأن الشهادة على الزنى لا تكون أقل من أربعة ؛ وقال بعضهم : اثنان فصاعداً ؛ وقال بعضهم : الواحد فصاعداً ؛ وهو قول أهل العراق ؛ وهو استحباب وليس بواجب، وروي عن ابن عباس أنه قال : رجلان، وعن مجاهد قال : واحد فما فوقه طائفة ؛ وروي عن ابن عباس مثله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى