زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ القراءة المشهورة بالرفع. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة، وعيسى بن عمر :" الزانية " بالنصب. واختار الخليل وسيبويه الرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج : والرفع أقوى في العربية، لأن معناه : من زنى فاجلدوه، فتأويله الابتداء، ويجوز النصب على معنى : اجلدوا الزانية. فأما الجلد، فهو ضرب الجلد ؛ يقال : جلده : إذا ضرب جلده، كما يقال : بطنه : إذا ضرب بطنه.
قال المفسرون : ومعنى الآية : الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين بكرين، ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾.
فصل : قال شيخنا علي بن عبيد الله : هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر والثيب : وقد روي عن رسول الله ﷺ في حق البكر زيادة على الجلد بتغريب عام، وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم بالحجارة. فروى عُبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ أنه قال :﴿البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة ورجم بالحجارة﴾. وممن قال بوجوب النَّفي في حق البكر أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وممن بعدهم عطاء، وطاوس، وسفيان، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وممن قال بالجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والحسن بن صالح وأحمد، وإسحاق. قال : وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في هذه الآية : البكر، فأما الثيب، فلا يجب عليه الجلد، وإنما يجب الرجم، روي عن عمر، وبه قال النخعي والزهري، والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك، وروي عن أحمد رواية مثل قول هؤلاء.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ﴾ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والضحاك، وابن يعمر، والأعمش :" يأخُذْكم " بالياء ﴿بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي :" رَأْفَةٌ " بإسكان الهمزة. وقرأ المتوكل، ومجاهد، وأبو عمران الجوني، وابن كثير بَفْتح الهمزة وقصرها على وزن رَعَفَة. وقرأ سعيد بن جبير، والضحاك، وأبو رجاء العطاردي :" رَأْفَةٌ " مثل سآمة وكآبة.
وفي معنى الكلام قولان :
أحدهما : لا تأخذكم بهما رأفة، فتخفّفوا الضرب، ولكن أوجعوهما، قاله سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة.
والثاني : لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، قاله مجاهد، والشعبي، وابن زبد في آخرين.
فصل : واختلف العلماء في شدة الضرب في الحدود، فقال الحسن البصري : ضرب الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، ويضرب الشارب أشد من ضرب التعزير، وعلى هذا مذهب أصحابنا. وقال أبو حنيفة : التعزير أشد الضرب، وضرب الزاني أشد من ضرب الشارب، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف. وقال مالك : الضرب في الحدود كلها سواء غير مبرّح.
فصل : فأما ما يضرب من الأعضاء، فنقل الميموني عن أحمد في جلد الزاني، قال : يجرد ويعطى كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ولا رأسه. ونقل يعقوب بن بختان : لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك : لا يضرب إلا في الظهر. وقال الشافعي : يتقى الفرج والوجه.
قوله تعالى :﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فيه قولان :
أحدهما : في حكمه، قاله ابن عباس.
والثاني : في طاعة الله، ذكره الماوردي.
قوله تعالى :﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزجاج : القراءة بإسكان اللام، ويجوز كسرها. والمراد بعذابهما ضربهما.
وفي المراد بالطائفة ها هنا خمسة أقوال :
أحدها : الرجل فما فوقه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. وقال النخعي : الواحد طائفة.
والثاني : الاثنان فصاعدا، قاله سعيد بن جبير، وعطاء ؛ وعن عكرمة كالقولين. قال الزجاج : والقول الأول على غير ما عند أهل اللغة، لأن الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان.
والثالث : ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري.
والرابع : أربعة، قاله ابن زيد.
والخامس : عشرة، قاله الحسن البصري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى