جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول الله ﷺ في نكاح نسوة كنّ معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكنّ أصحاب رايات، يُكْرِين أنفسهنّ، فأنزل الله تحريمهنّ على المؤمنين، فقال : الزاني من المؤمنين لا يتزوّج إلاّ زانية أو مشركة، لأنهنّ كذلك والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلاّ زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها، لأنهنّ كنّ مشركات. وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فحرّم الله نكاحهنّ في قول أهل هذه المقالة بهذه الآية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال : ثني الحضرميّ، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو : أن رجلاً من المسلمين استأذن نبيّ الله في امرأة يقال لها أمّ مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه استأذن فيها نبيّ الله ﷺ وذكر له أمرها، قال : فقرأ نبيّ الله ﷺ : الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ أو قال : فأنزلت الزانية. . . .
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : ثني هُشَيم، عن التيميّ، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في قوله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً، وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء معلومات، قال : فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك.
قال : أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، قال : كنّ نساء موارد بالمدينة.
حدثنا أحمد بن المِقدام، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت أبي، قال : حدثنا قَتادة، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : نزلت في نساء موارد كنّ بالمدينة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عاصم الكلابيّ، قال : حدثنا معتمر، عن أبيه، عن قَتادة، عن سعيد، بنحوه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن شعيب، قال : كان لمرثَد صديقة في الجاهلية يقال لها عِناق، وكان رجلاً شديدا، وكان يقال له دُلْدُل، وكان يأتي مكة فيحمل ضَعَفة المسلمين إلى رسول الله ﷺ، فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال : إن الله قد حرّم الزنا فقالت : أنّى تَبْرُز فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة، فأتى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها ؟ قال : فأنزل الله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء معلومات يُدْعَوْن القليقيات.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، قال : سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشَرِكَةً قال : كنّ بغايا في الجاهلية.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عمن أخبره، عن مجاهد، نحوا من حديث ابن المثنى، إلاّ أنه قال : كانت امرأَة منهنّ يقال لها : أمّ مهزول يعني في قوله : الزّانِي لا ينْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قال : فكنّ نساء معلومات، قال : فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. هذا من حديث التيميّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : الزّاني لا يَنْكحُ إلاّ زَانيَةً قال : رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوان بغايا متعالمَات كنّ في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلاّ أنه قال : بغايا مُعْلِنات كنّ كذلك في الجاهلية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ وابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال : كنّ بغايا في الجاهلية، على أبوابهنّ رايات مثل رايات البيطار يعرفن بها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال : نساء بغايا متعالمَات، حرّم الله نكاحهنّ، لا ينكحهنّ إلاّ زان من المؤمنين أو مشرك من المشركين.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : الزّانِي لا يَنْكحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنينَ قال : كانت بيوتٌ تسمى المواخير في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهنّ، وكانت بيوتا معلومة للزنا، لا يدخل عليهنّ ولا يأتيهنّ إلاّ زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فحرّم الله ذلك على المؤمنين.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : بغايا متعالمَات كنّ في الجاهلية بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، فأنزل الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام. فقال له سليمان بن موسى : أبلغك ذلك عن ابن عباس ؟ فقال : نعم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في ذلك : كنّ بغايا متعالمَات بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، وكنّ زواني مشركات، فقال : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ قال : أَحَكَم الله من أمر الجاهلية بهذا. قيل له : أبلغك هذا عن ابن عباس ؟ قال : نعم.
قال ابن جريج : وقال عكرِمة : إنه كان يسمّي تسعا بعد صواحب الرايات، وكنّ أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات : أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزوميّ، وأمّ عُلَيط جارية صفوان بن أمية، وحنّة القبطية جارية العاصي بن وائل، ومَرِيّة جارية مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأمّ سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لؤُيّ، وقريبا جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقال الزهري وقتادة، قالوا : كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهنّ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ، فأنزل الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ. . . الآية.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهريّ وقتادة، قالوا : كانوا في الجاهلية بغايا، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بَزّة : كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مَأْكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ على تلك الجهة، فُنهوا عن ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، قال : قال القاسم بن أبي بزّة، فذكر نحوه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا سليمان التيميّ، عن سعيد بن المسيب، قال : كنّ نساء مَواردَ بالمدينة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير : أن نساء في الجاهلية كنّ يُؤاجرن أنفسهنّ، وكان الرجل إنما ينكح إحداهنّ يريد أن يصيب منها عَرَضا، فنهوا عن ذلك، ونزل : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ ومنهنّ امرأة يقال لها أمّ مهزول.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، في قوله : الزّانِي لا يَنْكِح إلاّ زَانيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء يُكْرِين أنفسهنّ في الجاهلية.
وقال آخرون : معنى ذلك : الزاني لا يزنى إلاّ بزانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها إلاّ زان أو مشرك. قالوا : ومعنى النكاح في هذا الموضع : الجماع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن حُصَين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قول الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قال : لا يزنى إلاّ بزانية أو مشركة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جُبير أنه قال في هذه الآية : وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : لا يزنى الزاني إلاّ بزانية مثله أو مشركة.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن شُبْرُمة، عن سعيد بن جُبير وعكرمة في قوله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قالا : هو الوطء.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد، عن معمر، قال : قال سعيد بن جُبير ومجاهد : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قالا : هو الوطء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم وشعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبير، قوله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قالا : لا يزني الزاني حين يزني إلاّ بزانية مثله أو مشركة، ولا تزني مشركة إلاّ بمثلها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : هؤلاء بغايا كنّ في الجاهلية، والنكاح في كتاب الله الإصابة، لا يصيبها إلاّ زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلاّ مثلها. قال : وكان

تفسير هذه الآية من كتب أخرى