تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله تعالى :﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ : هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قَدَر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﷺ :" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". أخرجاه من حديث ابن مسعود(١).
وجاء في السنن - من غير وجه - أن رسول الله ﷺ قال :" تَزَوَّجوا، توالدوا، تناسلوا، فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة " (٢) وفي رواية :" حتى بالسقط ".
الأيامى : جمع أيِّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له. وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال : رجل أيّم وامرأة أيّم أيضا.
وقوله تعالى :﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال :﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد - يعني : ابن عبد العزيز - قال : بلغني أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز [ لكم ](٣) ما وعدكم من الغنى، قال :﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وعن ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى :﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رواه(٤) ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر بنحوه.
وعن الليث، عن محمد بن عَجْلان، عن سعيد المقْبُرِي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" ثلاثة حَقٌّ على الله عَوْنهم : الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه(٥)
وقد زوَّج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره(٦)، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه [ وإياها ](٧) ما فيه كفاية له ولها. فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث :" تزوجوا فقراء يغنكم الله "، فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا(٨) هذا الحديث الذي أوردناه. ولله الحمد.
١ - صحيح البخاري برقم (٥٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٠)..
٢ - سنن أبي داود برقم (٢٠٥٠) وسنن النسائي (٦/٦٥)..
٣ - زيادة من ف، أ..
٤ - في ف، أ :"ورواه"..
٥ - المسند (٢/٢٥١) وسنن الترمذي برقم (١٦٥٥) وسنن النسائي (٦/٦١) وسنن ابن ماجه برقم (٢٥١٨)..
٦ - في أ :"الإزارة"..
٧ - زيادة من ف، أ..
٨ - في ف :"وكذلك"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى