تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتابفقوله تعالى :﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي : عما حَرَّم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذهب [ كثير من العلماء ](٣) إلى أنه : لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي، من حديث الزهري، عن نبهان - مولى أم سلمة - أنه حدثه : أن أم سلمة حَدَّثته : أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابنُ أمّ مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أُمِرْنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ :" احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟
فقال رسول الله ﷺ :" أو عمياوان(٤) أنتما ؟ ألستما تبصرانه " (٥).
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى مَلَّت ورجعت(٦).
وقوله :﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال سعيد بن جُبَيْر : ، عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان : عما لا يحل لهن. وقال مقاتل : ، عن الزنى. وقال أبو العالية : كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى، إلا هذه الآية :﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ألا يراها أحد.
وقال(٧) :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي : لا يُظهرْنَ شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.
وقال ابن مسعود : كالرداء والثياب. يعني : على ما كان يتعاطاه نساء العرب، من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه ؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال ](٨) بقول ابن مسعود : الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم.
وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال : وجهها وكفيها والخاتم. ورُوي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم - نحوُ ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله قال في قوله :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ : الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان : فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار، [ وزينة يراها الأجانب، وهي ](٩) الظاهر من الثياب.
وقال الزهري :[ لا يبدو ](١٠) لهؤلاء الذين سَمَّى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.
وقال مالك، عن الزهري :﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال.
ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه :
حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومُؤَمَّل بن الفضل الحَرَّاني قالا حدثنا الوليد، عن سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، رضي الله عنها ؛ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال :" يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم
يصلح أن يُرَى منها إلا هذا " وأشار إلى وجهه وكفيه(١١).
لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي : هذا مرسل ؛ خالد بن دُرَيك لم يسمع من عائشة، فالله أعلم.
وقوله :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني : المقانع يعمل لها صَنفات ضاربات على صدور النساء، لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ؛ ليخالفن شعارَ نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت(١٢) عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وقال في هذه الآية الكريمة :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخُمُر : جمع خِمار، وهو ما يُخَمر به، أي : يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.
قال سعيد بن جبير :﴿وَلْيَضْرِبْن﴾ : وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني : على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.
وقال البخاري : وقال أحمد بن شَبِيب(١٣) : حدَّثنا أبي، عن يونس، عن(١٤) ابن شِهَاب، عن عُرْوَةَ، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شقَقْنَ مُرُوطهن فاختمرن به(١٥)- (١٦).
وقال أيضا : حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صَفيّة بنت شيبة ؛ أن عائشة، رضي الله عنها، كانت تقول(١٧) : لما نزلت هذه الآية :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ : أخذن أزرهن فَشَقَقنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها(١٨).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجيّ بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة، قالت : فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، رضي الله عنها : إن لنساء قريش لفضلا وإني - والله - وما رأيت أفضلَ من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة(١٩)، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها المُرَحَّل فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحْنَ وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.
ورواه أبو داود من غير وجه، عن صفية بنت شيبة، به(٢٠).
وقال ابن جرير : حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن قُرَّةَ بن عبد الرحمن أخبره، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة ؛ أنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأوَل، لما أنزل الله :﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقّقن أكثَف مروطهن فاختمرن به. ورواه أبو داود من حديث ابن وهب، به(٢١).
وقوله :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يعني : أزواجهن، ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج(٢٢).
وقال ابن المنذر : حدثنا موسى - يعني : ابن هارون - حدثنا أبو بكر - يعني ابن أبي شيبة - حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعِكْرمَة في هذه الآية :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ - حتى فرغ منها قال : لم يذكر العم ولا الخال ؛ لأنهما ينعَتان(٢٣) لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره.
وقوله :﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني : تُظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة ؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك - وإن كان محذورًا في جميع النساء - إلا أنه في نساء أهل الذمة أشدّ، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه. وقد قال رسول الله ﷺ :" لا تباشر المرأةَ المرأةَ، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ". أخرجاه في الصحيحين، عن ابن مسعود(٢٤).
وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال : كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة : أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانْهَ مَنْ قِبَلَك فلا(٢٥) يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها(٢٦).
وقال مجاهد في قوله :﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال : نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة.
وروى عَبد في تفسيره(٢٧) عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس :﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، قال : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النَّحْر والقُرْط والوٍشَاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم.
وروى سعيد : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ؛ لأن الله تعالى يقول :﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست(٢٨) من نسائهن.
وعن مكحول وعبادة بن نُسَيّ : أنهما كرها أن تقبل النصرانيةُ واليهودية والمجوسية المسلمة.
فأما ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضَمْرَة قال : قال ابن عطاء، عن أبيه : ولما قدم أصحاب النبي ﷺ بيت المقدس، كان قَوَابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات فهذا - إن صح - مَحمولٌ على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.
وقوله :﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جُرَيج(٢٩) : يعني : من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [ زينتها لها وإن كانت مشركة ؛ لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيَّب. وقال الأكثرون : بل يجوز لها أن تظهر ](٣٠) على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود :
حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس،
٢ - في أ :"وعزة"..
٣ - زيادة من ف، أ..
٤ - في أ :"أفعمياوان"..
٥ - سنن أبي داود برقم (٤١١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٨)..
٦ - صحيح البخاري برقم (٤٥٤)..
٧ - في أ :"وقوله"..
٨ - زيادة من ف، أ..
٩ - زيادة من ف، أ..
١٠ - زيادة من ف، أ..
١١ - سنن أبي داود برقم (٤١٠٤)..
١٢ - في ف :"ظهرت"..
١٣ - في هـ :"حدثنا أحمد بن شبيب" وفي ف، أ :"حدثنا أحمد بن شبيب قال" والمثبت من البخاري..
١٤ - في ف، أ :"قال"..
١٥ - في ف :"بها" وفي أ :"بهن"..
١٦ - صحيح البخاري برقم (٤٧٥٨)..
١٧ - في هـ، ف :"رضي الله عنها قالت : لما"، والمثبت من البخاري..
١٨ - صحيح البخاري برقم (٤٧٥٩)..
١٩ - في ف :"قرابته"..
٢٠ - سنن أبي داود برقم (٤١٠٠، ٤١٠١)..
٢١ - تفسير الطبري (١٨/٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤١٠٢)..
٢٢ - في أ :"بهرج"..
٢٣ - في أ :"يتبعان"..
٢٤ - صحيح البخاري برقم (٥٢٤١)..
٢٥ - في ف، أ :"فإنه لا"..
٢٦ - ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٩٥) من طريق سعيد بن منصور، به..
٢٧ - في ف :"تفسير"..
٢٨ - في ف :"فليس"، وفي أ :"فلسن"..
٢٩ - في أ :"جرير"..
٣٠ - زيادة من ف، أ..