جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وَقُلْ يا محمد للْمُؤْمِناتِ من أمتك يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنّ عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه وَيحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ يقول : ويحفظن فروجهنّ على أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم.
وقوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ يقول تعالى ذكره : ولا يُظْهرن للناس الذين ليسوا لهنّ بمحرم زينتهنّ، وهما زينتان : إحداهما : ما خفي، وذلك كالخَلْخال والسّوارين والقُرْطَين والقلائد. والآخرى : ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنىّ منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول : زينة الثياب الظاهرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال : الزينة زينتان : فالظاهرة منها الثياب، وما خفي : الخلخالان والقُرطان والسّواران.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني الثوريّ، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها : قال : هي الثياب.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.
قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله، مثله.
قال : حدثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها : قال : الثياب.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا بعض أصحابنا إما يونس، أو ما غيره عن الحسن، في قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب.
قال أبو إسحاق : ألا ترى أنه قال : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ ؟.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن ابن مسعود : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : هو الرداء.
وقال آخرون : الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه : الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا مروان، قال : حدثنا مسلم المَلائي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل والخاتم.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الأمُليّ، قال : حدثنا مروان، عن مسلم المَلائيّ، عن سعيد بن جُبير، مثله، ولم يذكر ابن عباس.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون، عن أبي عبد الله نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : الظاهر منها : الكحل والخَدّان.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز، عن سعيد بن جُبير، في قوله : ولا يبدين زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الوجه والكفّ.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن مسلم بن هُرمز المكيّ، عن سعيد بن جُبير، مثله.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا أبو عمرو، عن عطاء في قول الله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكفّان والوجه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ عن سعيد، عن قَتادة قال : الكحل، والسوران والخاتم.
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : والزينة الظاهرة : الوجه، وكُحل العين، وخِضاب الكفّ، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : المسكتان والخاتم والكحل. قال قتادة : وبلغني أن النبيّ ﷺ قال :«لا يحِلّ لاِمْرأةٍ تُوْمِنُ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ أنْ تُخْرِجَ يَدَها إلاّ إلى هَا هُنا ». وقبض نصف الذراع.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن رجل، عن المِسْورَ بن مخرمة، في قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : القلبين، والخاتم، والكحل : يعني السوار.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الخاتم والمَسَكة. قال ابن جُرَيج، وقالت عائشة : القُلْب والفَتْخَة، قالت عائشة : دخلت عليّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينّة، فدخل النبيّ ﷺ، فأعرض، فقالت عائشة : يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال :«إذا عَرَكَت المرأة لم يحلّ لها أن تظهر إلا وَجْهها، وإلاّ ما دون هذا »، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفّ مثل قبضة أخرى. وأشار به أبو علي قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد : قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل والخضاب والخاتم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عاصم، عن عامر : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل، والخضاب، والثياب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها من الزينة : الكحل، والخضاب والخاتم هكذا كانوا يقولون وهذا يراه الناس.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال : حدثنا عمر بن أبي سلمة، قال : سئل الأوزاعي عن : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكفّين والوجه.
حدثنا عمرو بن بندق، قال : حدثنا مروان، عن جُويبر، عن الضحاك في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ قال : الكفّ والوجه.
وقال آخرون : عَنَى به الوجه والثياب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : قال يونس : وَلا يُبْدِينَ زِينِتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال الحسن : الوجه والثياب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الوجه والثياب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : قول من قال : عُنِي بذلك الوجهُ والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك : الكحل، والخاتم، والسّوار، والخِضاب.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كلّ مصلّ أن يستر عورته في صلاته، وأن المرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما رُوي عن النبيّ ﷺ أنه أباح لها أن تبديَه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها، لأن كل ذلك ظاهر منها.
وقوله : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ على جُيُوبِهِنّ يقول تعالى ذكره : وليلقين خُمُرَهنّ، وهي جمع خمار، على جيوبهنّ، ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنّ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم بن نافع، قال : حدثنا الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت : لما نزلت هذه الآية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ على جُيوبِهِنّ قال : شققن البُرْدَ مما يلي الحواشي، فاختمرن به.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن، أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرُهِنّ على جُيُوبِهِنّ شققن أكثف مروطهنّ، فاختمرن به.
وقوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ يقول تعالى ذكره : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ التي هي غير ظاهرة بل الخفية منها، وذلك الخَلخال والقُرط والدّمْلُج، وما أُمرت بتغطيته بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة وللأجنبيين من الناس، والذراعين إلى فوق ذلك، إلاّ لبعولتهنّ.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ) ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مُصَرّف، عن إبراهيم : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أوْ آبائِهِنّ قال : هذه ما فوق الذراع.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، قال : سمعت رجلاً يحدّث عن طلحة، عن إبراهيم، قال في هذه الآية : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أوْ آبائِهِنّ أو آباء بُعُولَتِهِنّ قال : ما فوق الجيب. قال شعبة : كتب به منصور إليّ، وقرأته عليه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ قال : تبدي لهؤلاء الرأس.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ. . . إلى قوله : عَوْرَاتِ النّساءِ قال : الزينة التي يبدينها لهؤلاء : قرطاها وقلادتها وسِوارها، فأما خلخالاها ومِعْضدَاها ونحرها وش

تفسير هذه الآية من كتب أخرى