تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه(١)، وأن يغضوا(٢) أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث يونس بن عُبَيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، قال : سألت النبي ﷺ، عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري.
وكذا رواه الإمام أحمد، عن هُشَيْم، عن يونس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديثه أيضًا(٣). وقال الترمذي : حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم : فقال :" أطرقْ بصرك "، يعني : انظر إلى الأرض. والصرف أعم ؛ فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى(٤) جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود : حدثنا إسماعيل بن موسى الفَزَاري، حدثنا شَريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه قال : قال رسول الله ﷺ لعلي :" يا علي، لا تتبع النظرة النظرةَ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة "
ورواه الترمذي من حديث شريك(٥)، وقال : غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وفي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :" إياكم والجلوس على الطرقات ". قالوا : يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ :" إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه ". قالوا : وما حقّ الطريق يا رسول الله ؟ قال :" غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر " (٦).
وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل(٧) بن جبير : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" اكفلوا لي بِستّ أكفل لكم بالجنة : إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يَخُن، وإذا وَعَد فلا يخلف. وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم " (٨).
وفي صحيح البخاري :" من يكفل(٩) لي ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه، أكفل له الجنة " (١٠).
وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال : كل ما عُصي الله به، فهو كبيرة. وقد ذكر الطَّرْفين فقال :﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف :" النظر سهام سم إلى القلب " ؛ ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال :﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. وحفظُ الفَرج تارةً يكون بمنعه من الزنى، كما قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠] وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد(١١) والسنن :
احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " (١٢).
﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي : أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل :" مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته ". ويروى :" في قلبه ".
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال :" ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [ أوّل مَرّة ](١٣) ثم يَغُضّ بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها " (١٤).
ورُوي هذا مرفوعًا عن ابن عمر، وحذيفة، وعائشة، رضي الله عنهم(١٥) ولكن في إسنادها ضعف، إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه.
وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا :" لَتغضُنَّ أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمُنّ وجوهكم - أو : لتكسفن وجوهكم " (١٦).
وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن زهير التُّسْتُري قال : قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، حدثنا هُرَيْم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه " (١٧).
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، كما قال تعالى :﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" كُتِبَ على ابن آدم حَظّه من الزنى، أدرَكَ ذلك لا محالة. فَزنى العينين : النظر. وزنى اللسان : النطقُ. وزنى الأذنين : الاستماع. وزنى اليدين : البطش. وزنى الرجلين : الخطى. والنفس تمَنّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يُكذبه ".
رواه البخاري تعليقًا، ومسلم مسندًا من وجه آخر(١٨) بنحو ما تقدم.
وقد قال كثير من السلف : إنهم كانوا ينهَون أن يحدَّ الرجل بَصَره(١٩) إلى الأمرد. وقد شَدَّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحَرَّمه طائفة من أهل العلم، لما فيه من الافتتان، وشَدّد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا.
وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو سعيد المدني(٢٠)، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن صُهْبَان، حدثني صفوان بن سليم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" كل عين باكية(٢١) يوم القيامة، إلا عينًا غَضّت عن محارم الله، وعينًا سهِرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب، من خشية الله، عز وجل " (٢٢).
١ - في ف :"إليهم"..
٢ - في ف :"يغمصوا"..
٣ - صحيح مسلم برقم (٢١٥٩) والمسند (٤/٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٢١٤٨) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٢٣٣)..
٤ - في أ :"أو إلى"..
٥ - سنن أبي داود برقم (٢١٤٩) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٧)..
٦ - صحيح البخاري برقم (٢٤٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه..
٧ - في هـ :"فضال"..
٨ - رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧/٣٩٢) من طريق أبي القاسم البغوي، به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٣١٤) وابن حبان في المجروحين (٢/٢٠٤) من طريق فضال بن جبير. ويقال : ابن زبير، به. وقال ابن حبان :"فضال بن جبير لا يحل الاحتجاج به"..
٩ - في أ :"كفل"..
١٠ - صحيح البخاري برقم (٦٤٧٤) من حديث سهل بن سعد، رضي الله عنه..
١١ - في أ :"المسند"..
١٢ - المسند (٥/ ٣، ٤) وسنن أبي داود برقم (٤٠١٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٢٠) من حديث معاوية بن حيدة، رضي الله عنه..
١٣ زيادة من ف، أ.-.
١٤ - المسند (٥/٢٦٤). وفي إسناده عبيد الله بن زحر، قال ابن حبان :"يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم"..
١٥ - أما حديث حذيفة، فرواه الحاكم في المستدرك (٤/٣١٤) من طريق إسحاق القرشي، عن هشيم، عن عبد الرحمن، عن إسحاق، عن محارب، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، رضي الله عنه، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي. قلت: إسحاق واه وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه. وأما حديث ابن عمر، فرواه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠١) من طريق أبي اليمان، عن أبي المهدي، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، وإسناده ضعيف جدا..
١٦ - المعجم الكبير (٨/٢٤٦) وعبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم ضعفاء..
١٧ - المعجم الكبير (١٠/٢١٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٣) :"وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف"..
١٨ - صحيح البخاري برقم (٦٣٤٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٧)..
١٩ - في أ :"نظره"..
٢٠ - في أ :"المقبري"..
٢١ - في أ :"زانية"..
٢٢ - ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/١٦٣) من طريق داود بن عطاء، عن عمر بن صهبان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. فلا أدري أسقط أبو سلمة من إسناد ابن أبي الدنيا أم لا ؟ وعمر بن صهبان منكر الحديث اتفق الأئمة على تضعيفه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى