تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وأنكحوا الأيامى منكم ). أي : زوجوا الأيامى منكم، والأيم اسم لكل امرأة لا زوج لها ثيبا كانت أو بكرا، قال الشاعر :
فإن تَنْكِحي أنكِحْ وإن تَتَأَيَّمِيمدى الدهر ما لم تنكحي أتأيَّمُ
وقد ذهب داود وأصحاب الظاهر أن النكاح واجب واستدلوا بهذه الآية، وأما عندنا هو مباح في وقت، سنة في وقت، مباح إذا كانت نفسه لا تتوق إلى النساء، سنة إذا تاقت نفسه إلى النساء، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :«من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح »(١).
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال :«من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء »(٢).
وعن بعض السلف أنه قال : من غلبت عليه الشهوة وعنده مال فليتزوج، وإن لم يكن عنده مال فليدم النظر إلى السماء، فإن شهوته تذهب.
وقوله :( والصالحين من عبادكم وإمائكم ).
قرئ في الشاذ :" من عبيدكم وإمائكم " زوجوا الأيامى من الحرائر، وزوجوا الصالحين من العبيد والإماء، والمراد من العباد : العبيد.
وقوله :( إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله ) روي عن عمر أنه قال : عجبت لمن يطلب الغنى بغير النكاح، والله تعالى يقول :( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ). وعن بعضهم : أن الله تعالى وعد الغنى بالنكاح، ووعد الغنى بالتفرق، فقال في النكاح :( يغنهم الله من فضله ) أي : من الله، وقال في الفراق :( وإن يتفرقا يغني الله كلا من سعته ) (٣) ويقال : إن الغنى ها هنا هو الغنى بالقناعة، وقيل : باجتماع الرزقين، وقيل في قوله :( ووجدك عائلا فأغنى ) (٤) أي : بمال خديجة.
وقوله :( والله واسع عليم ) أي : واسع الغنى، عليم بأحوال العباد، وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه كان ينكح ويطلق كثيرا، ويقول : إنما أبتغي الغنى من النكاح والطلاق، ويتلو هاتين الآيتين، وقد ذكر بعضهم : أن الأيم كما ينطلق على المرأة ينطلق على الرجل، يقال : رجل أيم إذا لم يكن له زوجة، وامرأة أيم إذا لم يكن لها زوج، والشعر الذي أنشدنا دليل عليه، وفي الخبر :«أن النبي ﷺ نهى عن الأيمة » أي : العزبة.
وعن القاسم بن محمد أنه قال : أمرنا بقتل الأيم أي : الحية. وقال بعضهم :( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين ) أي : بالصالحين. وقوله :( من عبادكم ) أي : من رجالكم، ثم أمر من بعد بتزويج الإماء، والقول الأول الذي سبق أظهر.
١ - رواه ابن عدي في الكامل (٧/٨٧) من حديث أبي هريرة. ورواه عبد الرزاق (٦/١٦٩ رقم ١٠٣٧٨)، وسعيد بن منصور (٣/١/١٦١ رقم ٤٨٧)، وأبو يعلى (٥/١٣٣ رقم ٢٧٤٨)، والبيهقي (٧/٧٨) من حديث عبيد بن سعد عن النبي ﷺ مرسلا..
٢ - متفق عليه من حديث ابن مسعود، رواه البخاري (٤/١٤٢ رقم ١٩٠٥ وطرفاه ٥٠٦٥، ٥٠٦٦)، ومسلم (٩/٢٤٥، ٢٤٩ رقم ٩٩٦)..
٣ - النساء: ١٦٠..
٤ - الضحى: ٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى