بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿وَأَنْكِحُواْ الايامى مِنْكُمْ﴾، والأيَامَى الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم، يقال : رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال : رجل بكر وامرأة بكر، ويقال : الأيم من النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها، فهي أيم ؛ فأمر الأولياء بأن يزوجوا النساء، وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك، فقال للأولياء :﴿وَأَنْكِحُواْ الايامى مِنْكُمْ﴾، يعني : من قومكم ومن عشيرتكم. ثم قال المولى سبحانه :﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ﴾، يعني : من عبيدكم زوجوهم امرأة، وهذا أمر استحباب وليس بحتم، ﴿وَإِمائِكُمْ﴾ ؛ يعني : زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنى. ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾، يعني : يرزقهم الله من فضله وسعته.
وقال بعضهم : هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء ؛ وقال بعضهم : انصرف إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك ﴿يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ يعني : من رزقه، والغنى على وجهين، غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين. كما روي في الخبر : الغنى غنى النفس. وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال :« أنْكِحُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ ». وقال عمر رضي الله عنه : ابتغوا الغنى في النكاح. ثم قرأ ﴿يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره أن يتزوج فتزوج الرجل، ثم جاء فشكا إليه الفقر، فأمره بأن يطلقها ؛ فسأل عن ذلك، فقال : قلت لعله من أهل هذه الآية ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. فلما لم يكن من أهلها قلت لعله من أهل آية أخرى ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً﴾ [النساء: ١٣٠].
ثم قال :﴿والله واسع عَلِيمٌ﴾، أي واسع الفضل ؛ ويقال : واسع أي موسع في الرزق، يوسع على من يشاء عليم بقدر ما يحتاج إليه كل واحد منهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى