فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما أمر سبحانه بغضّ الأبصار، وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما يحلّ للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة، وسكون دواعي الزنا، ويسهل بعده غضّ البصر عن المحرّمات، وحفظ الفرج عما لا يحل، فقال :﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ الأيم : التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً، والجمع أيامى، والأصل أيايم، والأيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. قال أبو عمرو والكسائي : اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي : المرأة التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً. قال أبو عبيد : يقال رجل أيم، وامرأة أيم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال، ومنه قول أمية ابن أبي الصلت :
للّه درّ بني عليأيم منهم وناكح
ومنه أيضاً قول الآخر :
لقد إمت حتى لا مني كلّ صاحبرجاء سليمى أن تأيم كما إمت
والخطاب في الآية للأولياء، وقيل : للأزواج، والأوّل أرجح، وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة.
واختلف أهل العلم في النكاح هل مباح، أو مستحب، أو واجب ؟ فذهب إلى الأوّل الشافعي، وغيره، وإلى الثاني مالك، وأبو حنيفة، وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك، فقالوا : إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه، وإلاّ فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية، وبالجملة، فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله ﷺ في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح :«ومن رغب عن سنتي فليس مني »، ولكن مع القدرة عليه، وعلى مؤنه كما سيأتي قريباً، والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله :﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ قرأ الجمهور ﴿عبادكم﴾، وقرأ الحسن " عبيدكم ". قال الفراء : ويجوز " وإماءكم " بالنصب بردّه على الصالحين، والصلاح هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك، وفيه دليل على أن المملوك لا يزوّج نفسه، وإنما يزوّجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح. وقال مالك : لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار، فقال :﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك. قال الزجاج : حثّ الله على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلاً لكل فقير إذا تزوّج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة. يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوّجوا. وقيل : المعنى إنه يغنيه بغنى النفس، وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأوّل أولى، ويدلّ عليه قوله سبحانه :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء﴾ [التوبة: ٢٨]. فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وجملة :﴿والله واسع عَلِيمٌ﴾ مؤكدة لما قبلها، ومقرّرة لها، والمراد : أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنّى من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى﴾ الآية، قال : أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بكر الصدّيق قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وعبد بن حميد، عن قتادة قال : ذكر لنا : أن عمر بن الخطاب قال : ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة، وقد وعد الله فيها ما وعد، فقال ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج البزار، والدارقطني في العلل، والحاكم، وابن مردويه، والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ :«أنكحوا النساء، فإنهنّ يأتينكم بالمال» وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود في مراسيله، عن عروة مرفوعاً إلى النبيّ ﷺ، ولم يذكر عائشة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في السنن، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«ثلاثة حقّ على الله عونهم : الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله :﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ قال : ليتزوّج من لا يجد فإن الله سيغنيه، وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة، عن عبد الله بن صبيح، عن أبيه قال : كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة، فأبى، فنزلت :﴿والذين يَبْتَغُونَ الكتاب﴾ الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أنس بن مالك قال : سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب، فأقبل عليّ بالدرّة، وقال : كاتبه وتلا :﴿فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، فكاتبته. قال ابن كثير : إن إسناده صحيح. وأخرج أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه، عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله ﷺ :﴿فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ قال :«إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاً على الناس». وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس :﴿إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ قال : المال. وأخرج ابن مردويه عن عليّ مثله. وأخرج البيهقي، عن ابن عباس في الآية قال : أمانة ووفاء. وأخرج عنه أيضاً قال : إن علمت مكاتبك يقضيك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه في الآية قال : إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ يعني ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن نافع قال : كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول : يطعمني من أوساخ الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس في قوله :﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله﴾ الآية : أمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقال عليّ بن أبي طالب : أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه. وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والروياني في مسنده، والضياء المقدسي في المختارة، عن بريدة في الآية قال : حثّ الناس عليه أن يعطوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ومسلم، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي من طريق أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال : كان عبد الله بن أبيّ يقول لجارية له : اذهبي فابغينا شيئاً، وكانت كارهة، فأنزل الله :﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههنّ فإن الله من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم﴾ هكذا كان يقرؤها، وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبيّ : يقال لها : مسيكة، وأخرى يقال لها : أميمة، فكان يريدهما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فأنزل الله ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم﴾ الآية. وأخرج البزار، وابن مردويه، عن أنس نحو حديث جابر الأوّل. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب في الآية قال : كان أهل الجاهلية يبغين إماءهم، فنهوا عن ذلك في الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهنّ، فنزلت الآية. وقد ورد النهي منه ﷺ عن مهر البغيّ، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى