تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( الله نور السموات والأرض ) قال ابن عباس : هادي أهل السموات والأرض، ( وعنه أنه قال : ضياء السموات والأرض ) (١) وعن قتادة وغيره : منوِّر السموات والأرض. فليقال : نوَّر السموات بالملائكة، والأرض بالأنبياء. ويقال : نور السموات بالنجوم والشمس والقمر، ونور الأرض بالنبات والزهر.
وقوله تعالى :( مثل نوره ) قرأ أبي بن كعب :" مثل نور المؤمن "، وعن ابن مسعود أنه قرأ :" مثل نوره في قلب المؤمن " ( ومن المعروف ( مثل نوره ) وفيه أقوال :
أحدها : أن معناه : مثل نور الله في قلب المؤمن ) (٢) وهو النور الذي يهتدى به، وهذا في معنى قوله تعالى :( فهو على نور من ربه ) (٣)، والقول الثاني :( مثل نوره ) أي : نور قلب المؤمن بالإيمان، والقول الثالث : أنه نور محمد ﷺ، ومنهم من أول على القرآن.
وقوله :( كمشكاة ) المشكاة هي الكوة التي ليس له منفذ، ومنهم من قال : المشكاة هي الحديدة التي يعلق بها القنديل، وهي السلسلة، وقيل : الموضع الذي توضع فيه الفتيلة، وهو كالأنبوب. والأول أظهر الأقاويل وأولى، ومعنى المشكاة هاهنا : الصدر، قاله أبي بن كعب. وقوله :( فيها مصباح ) أي : شعلة نار.
وقوله :( المصباح في زجاجة ) الزجاجة شيء معلوم، وهو جوهر له ضياء، فإن قيل : لم خص الزجاجة بالذكر ؟ قلنا : قال أبي بن كعب : المشكاة الصدر، والزجاجة القلب، والمصباح الإيمان، فإنما ذكر الزجاجة ؛ لأن المصباح فيها أضواء، وقال بعضهم : ذكر الزجاجة ؛ لأنها إذا انكسرت لا ينتفع منها بشيء، كذلك القلب إذا فسد لا ينتفع منه بشيء.
وقوله :( الزجاجة كأنها كوكب دري ) شبه الزجاجة بالكوكب، قال بعضهم : هذا الكوكب هو الزهرة فإنها أضوء كوكب في السماء، وقال بعضهم : الكواكب الخمسة زحل ومشتري والمريخ وعطارد وزهرة، فإن قيل : لم لم يشبه بالشمس والقمر ؟ قلنا : لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف، والنجوم لا يلحقها الكسوف، وأما قوله :( كوكب دُرِّي ) منسوب إلى الدر، ونسبه إلى الدر لصفائه ولونه، وقرىء :" دِرىء " بكسر الدال والهمز والمد، وفيه قولان : أحدهما : أنه مأخوذ من الدراء، والدراء هو الدفع، والكوكب يدفع الشياطين عن السماء، فإن قيل : لم شبه به في حالة الدفع ؟ قلنا : لأنه في تلك الحالة يكون أصفى، والقول الثاني :" دِرىء ". أي طالع، يقال : درأ علينا فلان أي : طلع وظهر، وقال الأزهري : وهذا قول حسن، وقرىء :" دُرىء " برفع الدال مهموزا، قرأه حمزة وأبو بكر، وأهل النحو يخطؤنه في هذه القراءة، وقالوا : لا يوجد فعيل في اللغة، والشاذ :" دَري " بفتح الدال.
وقوله :( يوقد ) أي : الزجاجة، ومعناه : نار الزجاجة، فحذف النار، وقرىء :" يوقد " بالياء أي : المصباح، وقرىء :" توقد " أي : تتوقد، وفي الشاذ :" يوقد " أي : يوقد الله تعالى.
وقوله :( من شجرة مباركة ) (٤) أي : من زيت شجرة مباركة، والشجرة المباركة هاهنا هي الزيتون، وفيها من الخير ما ليس في سائر الأشجار، فإنه دهن وإدام وفاكهة تؤكل ويستصبح به، وبفضله يغسل به الثياب وهي شجرة تورق من رأسها إلى أسفلها، واستخراج الدهن منه لا يحتاج إلى عصار كغيره، بل يستخرجه من شاء من غير عسر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :«ائتدموا بالزيت، وادهنوا منه، فإنه من شجرة مباركة » رواه معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر الخبر.
وقوله :( لا شرقية ولا غربية ) قال الحسن : ليس هذا من أشجار الدنيا، ولو كانت من أشجار الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وقال غيره : بل هو وصف الزيتون -وهو الأصح- وفيه أقوال : أحدها أن معناه : لا شرقية أي : ليست مما تشرق عليها الشمس، ولا تغرب عليها الشمس، فتكون لا شرقية ولا غربية.
وقوله :( ولا غربية ) أي : ليست مما تغرب عليها الشمس ولا تشرق عليها الشمس، فتكون لا غربية ولا شرقية(٥) فمعنى الآية. أنها ليست بخالصة للشرق، ولا خالصة للغرب، بل هي شرقية غربية، يعني : بين الشرق والغرب، لا خالصا للشرق، ولا خالصا للغرب، والشمس مشرقة عليها في جميع أوقاتها، وإذا كان كذلك فيكون زيتها أضوأ قالوا : وهذا كما يقال : فلان ليس بأسود ولا أبيض أي ليس بأسود خالص ولا أبيض خالص أي : قد اجتمع فيه البياض والسواد، ويقال : هذا الرمان ليس بحلو ولا حامض أي : اجتمع فيه الحلاوة والحموضة ولم يخلص لواحد منهما، وهذا قول الفراء والزجاج وأكثر أهل المعاني، وزعم ابن قتيبة أن معنى قوله :( لا شرقية ولا غربية ) أي : ليست في مضحاة، ولا في مقتاة(٦)، ومعناه : ليست في مضحاة فتكون الشمس عليها أبدا، ولا في الظل فتكون في الظل أبدا، والقول الثالث : أنها شجرة بين الأشجار لا هي بارزة للشمس عند شروقها، ولا هي بارزة عند غروبها.
وقوله :( يكاد زيتها يضيء ) أي : من صفائه ولونه.
وقوله :( ولو لم تمسسه نار ) أي : وإن لم تمسسه نار.
وقوله :( نور على نور ) أي : نور المصباح على نور الزجاجة.
وقوله :( يهدي الله لنوره من يشاء ) أي : نور البصيرة والعقيدة.
وقوله :( ويضرب الله الأمثال للناس ) أي : يبين الله الأمثال للناس.
وقوله :( والله بكل شيء عليم ) معلوم.
واعلم أنه اختلف القول في معنى التمثيل : منهم من قال : التمثيل وقع للنور الذي في قلب المؤمن، ومنهم من قال : التمثيل وقع لنور محمد ﷺ، ومنهم من قال : التمثيل وقع لنور القرآن، وأما إذا قلنا : إن التمثيل وقع للنور الذي في قلب المؤمن فهو ظاهر المعنى كما بينا.
وقوله :( يكاد زيتها يضيء ) أي : يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه.
وقوله :( نور على نور ) أي : نور العمل على نور الاعتقاد، وعن أبي بن كعب أنه قال : المؤمن بين خمسة أنوار، وقوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور. وعن غيره أنه قال : المؤمن بين أربعة أحوال : إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل. وإذا قلنا : التمثيل وقع لنور محمد ﷺ، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح هو نورة النبوة.
وقوله :( توقد من شجرة مباركة ) الشجرة المباركة هو إبراهيم -صلوات الله عليه- وذكر زيتونة، لأنها أبرك الأشجار على ما بينا ؛ ولأن إبراهيم نزل الشام، وفي زيتون الشام من البركة ما ليس لغيره من البلاد.
وقوله :( لا شرقية ولا غربية ) معناه : أن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، وهو معنى قوله تعالى :( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ) (٧) واليهود يصلون إلى المغرب، والنصارى إلى المشرق. وقوله :( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) معناه : لو لم يكن إبراهيم نبيا لألحقه الله بالعمل الصالح بالأنبياء في درجاتهم، ويقال معناه : أن محمدا لو لم تأته معجزة لدلت أحواله على صدقه وعلى نبوته. وقوله :( نور على نور ) أي : نور محمد على نور إبراهيم، وقوله :( يهدي الله لنوره من يشاء ) يعني : يهدي الله للإيمان بمحمد من يشاء، وهذا كله معنى ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وفي الآية كلام كثير ذكره أصحاب الخواطر لا يشتغل به، وهذان القولان هما المعروفان.
١ - ساقط من "ك"..
٢ - ساقط من "ك"..
٣ - الزمر: ٢٢..
٤ - رواه الترمذي (٤/٢٥١ رقم ٨٥١) وفي الشمائل (١٤٠ رقم ١٥٠)، وابن ماجه (٢/١١٠٣ رقم ٣٣١٩) وعبد بن حميد (٣٣ رقم ١٣)، والحاكم (٤/١٢٢) وصححه على شرط الشيخين، وأقره المنذري في الترغيب (٣/١٣٢)، وقال الترمذي في الشمائل: كان عبد الرزاق يضطرب في هذا الحديث، فربما أسنده، وربما أرسله، وقال أبو حاتم في علل الحديث لابنه (٢/١٦ رقم ١٥٢٠): حدث عبد الرزاق به عن زيد بن أسلم، عن أبيه، مرسلا دهرا، ثم قال بعد: زيد بن أسلم عن أبيه أحسبه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر عن النبي ﷺ بلا شك. وقال ابن معين في التاريخ (١/٢٧٨ رقم ٥٩٥): الموصول ليس بشيء، إنما هو عن زيد مرسلا. وفي الباب عن أبي أسيد، وأبي هريرة، وابن عباس. وانظر الترغيب (٣/١٣١-١٣٢)، والسلسلة الصحيحة (٣٧٩)..
٥ - في النسختين فتكون غريبة لا شرقية. والصواب ما أُثبت..
٦ - المقناة هي الظليل الذي لا يصيبه الشمس..
٧ - آل عمران: ٦٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى