اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ الآية. هذه جملة من مبتدأ وخبر، إما على حذف مضاف، أي : ذو نور السماوات والمراد بالنور : عَدْلُهُ، ويؤيد هذا قوله :«مَثَلُ نُورِهِ »(١٤٩) وأضاف(١٥٠) النور لهذين الظرفين إما دلالة على سَعَةِ إِشْرَاقِهِ، وَفشُوّ إضاءته حتى تضيء له السماواتُ والأرضُ، وإمَّا لإرادة(١٥١) أهل السماوات والأرض، وأنهم يَسْتَضِيئُونَ به(١٥٢). ويجوز أن يُبَالَغَ في العبادة على سبيل المدح كقولهم : فلان شَمْسُ البلادِ وقمرُها(١٥٣) قال النابغة :
وقال ( آخر )(١٥٦) :
قَمَرُ القَبَائِلِ خَالِدُ بن يزيد(١٥٧) ***. . .
ويجوز أن يكون المصدر واقعاً اسم الفاعل(١٥٨)، أي : مُنَوِّرُ السَّماواتِ. ويؤيد هذا الوجهَ قراءة أمير المؤمنين(١٥٩) وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي :«نَوَّر » فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير الباري تعالى، «السماوات » مفعوله، وكَسْرُهُ نَصْبٌ، و «الأَرْضُ » بالنصب نَسَقٌ عليه(١٦٠). وفَسَّرَهُ الحسنُ فقال :«اللَّهُ مُنوِّرُ السَّمواتِ »(١٦١).
قال ابن عباس : هادي أهل(١٦٣) السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك : منوِّر السماوات والأرض، يقال : نوّر الله السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض.
وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزَيّن السماوات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل : بالنبات والأشجار. وقيل : معناه : الأنوار كلها منه، كما يقال : فلان رحمة، أي : منه الرحمة. قد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل :
قوله :﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة إيضاحٌ وتفسيرٌ لِمَا قبلها، فلا محلَّ لها، وثمَّ(١٦٥) مُضَاف محذوف، أي : كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ. قال الزمخشري : أي : صفةُ نُورِهِ العجيبةُ الشأنِ في الإضاءة «كَمِشْكَاةٍ » أي : كصفة ( مشكاة )(١٦٦) (١٦٧). واختلفوا في الضمير في «نُورِهِ » : فقيل : هو الله تعالى(١٦٨)، أي : مثل نور الله - عزَّ وجلَّ - في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدى به، كما قال :﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾(١٦٩) [الزمر: ٢٢]. وكان ابن مسعود يقرأ «مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِن » وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس :«مثل نوره الذي أعطى المؤمن » وعلى هذا المراد بالنور : الإيمان، والآيات البيّنات(١٧٠).
وقيل : يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به(١٧١)، أي مثل نور قلب المؤمن. وكان أبيّ يقرأ بهذه الألفاظ كلها(١٧٢)، وأعاد الضمير على ما قرأ به. والمراد بالنور : الإيمان والقرآن لقوله تعالى :﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾(١٧٣) [المائدة: ١٥] يعني : القرآن.
وقال سعيد بن جبير والضحاك : الضمير يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم(١٧٤) - ولم يتقدم لهذه الأشياء ذِكْر. وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبيّ، ففيه إشكال من حيث الإفراد(١٧٥). قال مكّيٌّ : يُوقَف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة(١٧٦).
وقيل : أراد ب «النور » الطاعة، سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً(١٧٧).
واختلفوا في هذا التشبيه :
( هل هو )(١٧٨) تشبيه مركب، أي : أنه قصد تشبيه(١٧٩) جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هُدَاهُ وإتْقَانهُ صُنْعَتَهُ في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي : قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام فيه بحسب الأقوال في الضمير في «نورِهِ »(١٨٠). و «المِشْكَاةُ » : الكُوَّةُ غير النَّافِذة. وهل هي عربية أم حبشيّة مُعَرَّبَةٌ ؟ خلاف(١٨١).
قال مجاهد :«هي القنديل »(١٨٢). وقيل : هي الحديدةُ أو الرَّصاصةُ التي يُوضع فيها الذُّبالُ، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة(١٨٣).
وقيل : هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح(١٨٤). وقيل : ما يعلق منه القنديل من الحديدة(١٨٥). وأمال «المِشْكَاة » الدُّوري(١٨٦) عن الكسائي لِتقدُّم الكسر وإن وُجِدَ فاصل ورُسِمَتْ بالواو ك «الزكوة » و «الصلواة »(١٨٧). والمصباح : السِّراج الضَّخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزّجاجة : واحدة الزّجاج، وهو جوهَر معروف، وفيه ثلاث لغات(١٨٨) : فالضم : لغة الحجاز، وبها قرأ العامة. والكسر والفتح : لغة قيس(١٨٩). وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد(١٩٠). وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو رجاء(١٩١). وكذلك الخلاف في قوله :«الزُّجَاجَةُ ». والجملة من قوله :«فِيهَا مِصْبَاح » صفة ل «مشكاة »(١٩٢)، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف، و «مِصْبَاح » مرتفع به فاعلاً(١٩٣).
قوله :«دُرِّي ». قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز(١٩٤). وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن عليّ والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء(١٩٥). وقرأ الزهري بكسرها وتشديد الياء(١٩٦).
وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضاً «دَرِّيءٌ » فتح الدال وياء بعدها همزة(١٩٧) فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بِنَاءً كثيرٌ، يوجد في الأسماء نحو :«سِكِّين » وفي الصفات نحو «سِكِّير ». وأما القراءة الثانية فهي من «الدرء » بمعنى : الدفع، أي : يدفع بعضها بعضاً، أو يدفع ضوؤها خفاءها.
قيل : ولم يوجد شيء وزنه «فُعِّيل »(١٩٨) إلا «مُرِّيقاً » للعُصْفر(١٩٩)، و «سُرِّيّة » على قولنا : إنها من السّرور، وأنه أبدل من إحدى المُضَعَّفَات ياء، وأُدْغِمت فيها ياء «فُعِّيل »(٢٠٠)، و «مُرِّيخاً » للذي في داخل القرن(٢٠١) اليابس، ويقال بكسر الميم أيضاً(٢٠٢)، و «عُلِّية »(٢٠٣) و «دُرِّيءٌ » في هذه القراءة، و «دُرِّيَّة » أيضاً في قولٍ، وقال(٢٠٤) بعضهم : وزن «دريء » في هذه القراءة «فُعُّول » كسُبُّوح قُدُّوس فاستثقل توالي الضم فنُقِل إلى الكسر(٢٠٥)، وهذا منقول أيضاً في «سُرِّيّة » و «دُرِّيّة ». وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أُبدل من الهمز ياءً، وأُدغِم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدُّرِّ لصفائها، وظهور ( إشراقها )(٢٠٦) (٢٠٧).
وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى الدُّرّ. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال مع المد والهمز(٢٠٨) ففيها إشكال.
قال أبو الفتح : وهو بناءٌ عزيز لم يُحْفَظ منه إلاّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين(٢٠٩).
قال شهاب الدين : وقد حكى الأخفش(٢١٠) فعلية السَّكِّينَة والوَقَار، وكَوْكَبٌ دَرِّيءٌ من ( دَرَأْتُه )(٢١١). قوله :«تُوقَدُ » قرأ ابن كثير وأبو عمرو «تَوَقَّدَ » بزنة «تَفَعَّلَ » فعلاً ماضياً فيه ضمير فاعله يعود على «المِصْبَاح »، ولا يعود على «كَوْكَبٍ » لفساد المعنى. والأخوان وأبو بكر :«تُوقَدُ » بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع «أَوقَدَ »، وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على «زُجَاجَة » فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت(٢١٢)، والضمير(٢١٣) المستتر يعود «المِصْبَاح ». وقرأ الحسن(٢١٤) والسُّلمي وابن مُحيصن ورُويَتْ عن عاصم من طريق المُفضَّل كذلك إلا أنه ضمَّ الدَّال، جعله مضارع «تَوَقَّدَ »(٢١٥)، والأصل «تَتَوَقَّد » بتاءين فحذف إحداهما ك «تَتَذَكّر »، والضمير أيضاً للزجاجة.
وقرأ عبد الله «وُقِّدَ » فعلاً ماضياً بزنة «قُتِّلَ » مشدداً(٢١٦)، أي :«المصْبَاحُ » وقرأ الحسن وسلام(٢١٧) أيضاً «يَوَقَّدُ » بالياء من تحت وضم الدال مضارع «توقد »(٢١٨)، والأصل «يتوقد » بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف التاء من فوق ( و )(٢١٩) هذا شاذٌ، إذ لم يَتَوال مِثلان، ولم يَبْقَ في اللفظ ما يدل على المحذوف، بخلاف «تَنَزَّلُ » و «تَذَكَّرُ » وبابه، فإن فيه تاءين، والباقي يدل على ما فُقِدَ. وقد يُتَمَحَّلُ لصحته وجه من القياس، وهو أنهم قد حملوا «أَعِدُ » و «تَعِدُ » و «نَعِدُ » على «يَعِدُ » في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا «يَتَوَقّدُ » بالياء والتاء على «تَتَوَقَّدُ » بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجوداً في الياء والتاء(٢٢٠).
قوله :«مِنْ شَجَرَةٍ » مِنْ لابتداء الغاية، وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي : من زيت ( شَجَرَةٍ )(٢٢١) (٢٢٢). و «زَيْتُونَةٍ » فيها قولان : أشهرهما : أنها بدل من «شَجَرَةٍ »(٢٢٣).
الثاني : أنها عطف بيانٍ، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي(٢٢٤). وتقدم هذا في قوله :﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾(٢٢٥) [إبراهيم: ١٦].
قوله :«لاَ شَرْقِيَّةٍ » صفة ل «شجرةٍ(٢٢٦) » ودخلت «لاَ » لتفيد النفي. وقرأ الضَّحَّاكُ بالرفع على إضمار مبتدأ، أي : لاَ هِيَ شَرْقِيةٌ، والجملة أيضاً في محل جر نعتاً ل «شَجَرَةٍ »(٢٢٧). ( قوله :«يَكَادُ » هذه الجملة أيضاً نعت ل «شَجَرَةٍ »(٢٢٨) (٢٢٩).
قوله :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ جوابها محذوف، أي : لأضاءت، لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم : أعطوا السائل وَلَوْ جاء على فَرَسٍ. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه الحالة(٢٣٠). وقرأ ابن عباس والحسن :«يَمْسَسْهُ » بالياء(٢٣١)، لأن التأنيث مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضاً(٢٣٢).
قال جمهور المتكلمين : معناه : أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء(٢٣٣) إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح ( يتّقد بزيت(٢٣٤) ) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل : لم شبهه بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه ؟
فالجواب : أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات ( وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ) (٢٣٥) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا(٢٣٦) جرم كان هذا المثل أليق وأوفق(٢٣٧).
اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء.
فأولها : أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعا
| فإِنَّك شَمْسٌٌ والمُلُوكُ كَوَاكِبٌ | إذَا ظَهَرتْ لم يَبْدُ(١٥٤) مِنْهُنَّ كَوْكَبُ(١٥٥) |
قَمَرُ القَبَائِلِ خَالِدُ بن يزيد(١٥٧) ***. . .
ويجوز أن يكون المصدر واقعاً اسم الفاعل(١٥٨)، أي : مُنَوِّرُ السَّماواتِ. ويؤيد هذا الوجهَ قراءة أمير المؤمنين(١٥٩) وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي :«نَوَّر » فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير الباري تعالى، «السماوات » مفعوله، وكَسْرُهُ نَصْبٌ، و «الأَرْضُ » بالنصب نَسَقٌ عليه(١٦٠). وفَسَّرَهُ الحسنُ فقال :«اللَّهُ مُنوِّرُ السَّمواتِ »(١٦١).
فصل(١٦٢)
قال ابن عباس : هادي أهل(١٦٣) السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك : منوِّر السماوات والأرض، يقال : نوّر الله السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض.
وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزَيّن السماوات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل : بالنبات والأشجار. وقيل : معناه : الأنوار كلها منه، كما يقال : فلان رحمة، أي : منه الرحمة. قد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل :
| إذا سارَ عبدُ اللَّهِ من مَرْوَ لَيْلَةً | فقد سارَ منها نورُها وجمالُها(١٦٤) |
وقيل : يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به(١٧١)، أي مثل نور قلب المؤمن. وكان أبيّ يقرأ بهذه الألفاظ كلها(١٧٢)، وأعاد الضمير على ما قرأ به. والمراد بالنور : الإيمان والقرآن لقوله تعالى :﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾(١٧٣) [المائدة: ١٥] يعني : القرآن.
وقال سعيد بن جبير والضحاك : الضمير يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم(١٧٤) - ولم يتقدم لهذه الأشياء ذِكْر. وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبيّ، ففيه إشكال من حيث الإفراد(١٧٥). قال مكّيٌّ : يُوقَف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة(١٧٦).
وقيل : أراد ب «النور » الطاعة، سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً(١٧٧).
فصل
واختلفوا في هذا التشبيه :
( هل هو )(١٧٨) تشبيه مركب، أي : أنه قصد تشبيه(١٧٩) جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هُدَاهُ وإتْقَانهُ صُنْعَتَهُ في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي : قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام فيه بحسب الأقوال في الضمير في «نورِهِ »(١٨٠). و «المِشْكَاةُ » : الكُوَّةُ غير النَّافِذة. وهل هي عربية أم حبشيّة مُعَرَّبَةٌ ؟ خلاف(١٨١).
قال مجاهد :«هي القنديل »(١٨٢). وقيل : هي الحديدةُ أو الرَّصاصةُ التي يُوضع فيها الذُّبالُ، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة(١٨٣).
وقيل : هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح(١٨٤). وقيل : ما يعلق منه القنديل من الحديدة(١٨٥). وأمال «المِشْكَاة » الدُّوري(١٨٦) عن الكسائي لِتقدُّم الكسر وإن وُجِدَ فاصل ورُسِمَتْ بالواو ك «الزكوة » و «الصلواة »(١٨٧). والمصباح : السِّراج الضَّخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزّجاجة : واحدة الزّجاج، وهو جوهَر معروف، وفيه ثلاث لغات(١٨٨) : فالضم : لغة الحجاز، وبها قرأ العامة. والكسر والفتح : لغة قيس(١٨٩). وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد(١٩٠). وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو رجاء(١٩١). وكذلك الخلاف في قوله :«الزُّجَاجَةُ ». والجملة من قوله :«فِيهَا مِصْبَاح » صفة ل «مشكاة »(١٩٢)، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف، و «مِصْبَاح » مرتفع به فاعلاً(١٩٣).
قوله :«دُرِّي ». قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز(١٩٤). وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن عليّ والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء(١٩٥). وقرأ الزهري بكسرها وتشديد الياء(١٩٦).
وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضاً «دَرِّيءٌ » فتح الدال وياء بعدها همزة(١٩٧) فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بِنَاءً كثيرٌ، يوجد في الأسماء نحو :«سِكِّين » وفي الصفات نحو «سِكِّير ». وأما القراءة الثانية فهي من «الدرء » بمعنى : الدفع، أي : يدفع بعضها بعضاً، أو يدفع ضوؤها خفاءها.
قيل : ولم يوجد شيء وزنه «فُعِّيل »(١٩٨) إلا «مُرِّيقاً » للعُصْفر(١٩٩)، و «سُرِّيّة » على قولنا : إنها من السّرور، وأنه أبدل من إحدى المُضَعَّفَات ياء، وأُدْغِمت فيها ياء «فُعِّيل »(٢٠٠)، و «مُرِّيخاً » للذي في داخل القرن(٢٠١) اليابس، ويقال بكسر الميم أيضاً(٢٠٢)، و «عُلِّية »(٢٠٣) و «دُرِّيءٌ » في هذه القراءة، و «دُرِّيَّة » أيضاً في قولٍ، وقال(٢٠٤) بعضهم : وزن «دريء » في هذه القراءة «فُعُّول » كسُبُّوح قُدُّوس فاستثقل توالي الضم فنُقِل إلى الكسر(٢٠٥)، وهذا منقول أيضاً في «سُرِّيّة » و «دُرِّيّة ». وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أُبدل من الهمز ياءً، وأُدغِم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدُّرِّ لصفائها، وظهور ( إشراقها )(٢٠٦) (٢٠٧).
وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى الدُّرّ. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال مع المد والهمز(٢٠٨) ففيها إشكال.
قال أبو الفتح : وهو بناءٌ عزيز لم يُحْفَظ منه إلاّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين(٢٠٩).
قال شهاب الدين : وقد حكى الأخفش(٢١٠) فعلية السَّكِّينَة والوَقَار، وكَوْكَبٌ دَرِّيءٌ من ( دَرَأْتُه )(٢١١). قوله :«تُوقَدُ » قرأ ابن كثير وأبو عمرو «تَوَقَّدَ » بزنة «تَفَعَّلَ » فعلاً ماضياً فيه ضمير فاعله يعود على «المِصْبَاح »، ولا يعود على «كَوْكَبٍ » لفساد المعنى. والأخوان وأبو بكر :«تُوقَدُ » بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع «أَوقَدَ »، وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على «زُجَاجَة » فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت(٢١٢)، والضمير(٢١٣) المستتر يعود «المِصْبَاح ». وقرأ الحسن(٢١٤) والسُّلمي وابن مُحيصن ورُويَتْ عن عاصم من طريق المُفضَّل كذلك إلا أنه ضمَّ الدَّال، جعله مضارع «تَوَقَّدَ »(٢١٥)، والأصل «تَتَوَقَّد » بتاءين فحذف إحداهما ك «تَتَذَكّر »، والضمير أيضاً للزجاجة.
وقرأ عبد الله «وُقِّدَ » فعلاً ماضياً بزنة «قُتِّلَ » مشدداً(٢١٦)، أي :«المصْبَاحُ » وقرأ الحسن وسلام(٢١٧) أيضاً «يَوَقَّدُ » بالياء من تحت وضم الدال مضارع «توقد »(٢١٨)، والأصل «يتوقد » بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف التاء من فوق ( و )(٢١٩) هذا شاذٌ، إذ لم يَتَوال مِثلان، ولم يَبْقَ في اللفظ ما يدل على المحذوف، بخلاف «تَنَزَّلُ » و «تَذَكَّرُ » وبابه، فإن فيه تاءين، والباقي يدل على ما فُقِدَ. وقد يُتَمَحَّلُ لصحته وجه من القياس، وهو أنهم قد حملوا «أَعِدُ » و «تَعِدُ » و «نَعِدُ » على «يَعِدُ » في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا «يَتَوَقّدُ » بالياء والتاء على «تَتَوَقَّدُ » بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجوداً في الياء والتاء(٢٢٠).
قوله :«مِنْ شَجَرَةٍ » مِنْ لابتداء الغاية، وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي : من زيت ( شَجَرَةٍ )(٢٢١) (٢٢٢). و «زَيْتُونَةٍ » فيها قولان : أشهرهما : أنها بدل من «شَجَرَةٍ »(٢٢٣).
الثاني : أنها عطف بيانٍ، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي(٢٢٤). وتقدم هذا في قوله :﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾(٢٢٥) [إبراهيم: ١٦].
قوله :«لاَ شَرْقِيَّةٍ » صفة ل «شجرةٍ(٢٢٦) » ودخلت «لاَ » لتفيد النفي. وقرأ الضَّحَّاكُ بالرفع على إضمار مبتدأ، أي : لاَ هِيَ شَرْقِيةٌ، والجملة أيضاً في محل جر نعتاً ل «شَجَرَةٍ »(٢٢٧). ( قوله :«يَكَادُ » هذه الجملة أيضاً نعت ل «شَجَرَةٍ »(٢٢٨) (٢٢٩).
قوله :﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ جوابها محذوف، أي : لأضاءت، لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم : أعطوا السائل وَلَوْ جاء على فَرَسٍ. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه الحالة(٢٣٠). وقرأ ابن عباس والحسن :«يَمْسَسْهُ » بالياء(٢٣١)، لأن التأنيث مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضاً(٢٣٢).
فصل في كيفية هذا التمثيل
قال جمهور المتكلمين : معناه : أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء(٢٣٣) إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح ( يتّقد بزيت(٢٣٤) ) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل : لم شبهه بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه ؟
فالجواب : أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات ( وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ) (٢٣٥) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا(٢٣٦) جرم كان هذا المثل أليق وأوفق(٢٣٧).
فصل
اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء.
فأولها : أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعا