غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت :﴿نور السماوات﴾ على الفعل : يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿كمشكاة﴾ ممالة : أبو عمرو عن الكسائي ﴿دريء﴾ بكسرتين وبالهمز : أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال : حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز. الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿توقد﴾ بضم التاء وفتح القاف : حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح : ابن عامر ونافع وحفص وأبو زيد عن المفضل. الباقون وجبلة ﴿توقد﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿يسبح﴾ بفتح الباء : ابن عامر وأبو بكر وحماد :﴿سحاب﴾ ﴿ظلمات﴾ على الإضافة : البزي ﴿سحاب﴾ بالتنوين ﴿ظلمات﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال : القواس وابن فليح. الباقون بالرفع والتنوين فيهما. ﴿ينزل﴾ من الإنزال : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿يذهب﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿خالق كل شيء﴾ على الإضافة : حمزة وعلي وخلف. الآخرون ﴿خلق﴾ على لفظ الماضي ﴿كل﴾ منصوباً.
الوقوف :﴿والأرض﴾ ط ﴿مصباح﴾ ط ﴿زجاجة﴾ ط ﴿غربية﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿نار﴾ ط ﴿نور﴾ ط ﴿يشاء﴾ ط ﴿للناس﴾ ط ﴿عليم﴾ ٥ لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿كمكشاة﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿يسبح﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿يسبح﴾ ﴿والآصال﴾ ط لمن قرأ ﴿يسبح﴾ بفتح الباء كأنه قيل : من يسبح ؟ فقيل :﴿رجال﴾ أي يسبحه رجال. ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿رجال﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿الزكاة﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿والأبصار﴾ ٥ لا لتعلق اللام. أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال : فلما سقطت النون انكسرت اللام. ﴿من فضله﴾ ط ﴿حساب﴾ ٥ ﴿ماء﴾ ط ﴿حسابه﴾ ط ﴿الحساب﴾ ٥ لا للعطف ﴿سحاب﴾ ط لمن قرأ ﴿ظلمات﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿فوق بعض﴾ ط ﴿يراها﴾ ط ﴿من نور﴾ ٥ ﴿صافات﴾ ط ﴿وتسبيحه﴾ ط ﴿يفعلون﴾ ٥ ﴿والأرض﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿المصير﴾ ٥ ﴿من خلاله﴾ ج لما قلنا ﴿عمن يشاء﴾ ط ﴿بالأبصار﴾ ٥ ط ﴿والأنهار﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ج ﴿من ماء﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿بطنه﴾ ج ﴿رجلين﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿أربع﴾ ط ﴿ما يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥ ﴿مبينات﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ٥ ﴿ذلك﴾ ط ﴿بالمؤمنين﴾ ٥ ﴿معرضون﴾ ٥ ﴿مذعنين﴾ ٥ ط ﴿ورسوله﴾ ط ﴿الظالمون﴾ ٥.
ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ قال علماء المعاني : التنكير في ﴿ماء﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة. وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر. وإنما عرّف في قوله ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠] لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. وعن القفال أن قوله ﴿من ماء﴾ صفة ﴿دابة﴾ لا صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله تعالى واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل : نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء. ثم بين أن أصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء. وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله " فلان لا يتمشى له أمر " وقد يوجد من الدواب ذوات أرجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له أربع وأربعون رجلاً المسمى " دخال الأذن ". وإنما لم يذكرها سبحانه لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن. ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على أربع فقط.
وقيل : إن في قوله تعالى ﴿يخلق الله ما يشاء﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول : الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر. فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة. ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء. وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب. وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها. ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد. ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد. ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان. ومنه ما له شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش. ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه. وفي قوله ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : للآية تأويلان : أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس. أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿يكاد زيتها﴾ وهو عالم الأرواح ﴿يضيء﴾ أي يظهر من العدم إلى عالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ولو لم تمسسه نار﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿نور على نور﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله
الرحمن على العرش استوى } [طه: ٥] وفي قوله ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما التأويل الثاني : فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾
[الزمر: ٦٩] وهو مقام " كنت له سمعاً وبصراً " الحديث :﴿في بيوت﴾ هي القلوب ﴿أذن الله﴾ أمر وأراد ﴿أن ترفع﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال " وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام " فرغ لي بيتاً اسكن فيه " فقال : رب أنت منزه عن البيوت. فقال : فرغ لي قلبك. ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ويذكر فيها اسمه﴾ ﴿لا تلهيهم تجارة﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾
[الصف: ١٠] ﴿ولا بيع﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿إن الله اشترى﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله ﴿فاستبشروا ببيعكم﴾ [التوبة: ١١١] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿يخافون يوماً﴾ هو يوم الفراق ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾ هو حب الدنيا ﴿يغشاه موج﴾ الرياء ﴿من فوقه موج﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿من فوقه سحاب﴾ الشرك الخفي ﴿إذا أخرج﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿لم يكد يراها﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً﴾ أي لم يصبه رشاش النور الإلهي في الأزل ﴿يزجى﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو مطر التوبة ﴿يخرج من خلاله﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ينزل من سماء القلب ﴿من جبال﴾ من قساوة ﴿فيها من برد﴾ هو برد القهر ﴿يقلب الله﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿والله خلق﴾ كل ذي روح ﴿من ماء﴾ هو روح محمد ﷺ كما قال
" أول ما خلق الله روحي " ﴿فمنهم من يمشي﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿أفي قلوبهم مرض﴾ انحراف في الفطرة ﴿أم ارتابوا﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿أم يخافون﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿وإليه المآب﴾.
الوقوف :﴿والأرض﴾ ط ﴿مصباح﴾ ط ﴿زجاجة﴾ ط ﴿غربية﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿نار﴾ ط ﴿نور﴾ ط ﴿يشاء﴾ ط ﴿للناس﴾ ط ﴿عليم﴾ ٥ لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿كمكشاة﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿يسبح﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿يسبح﴾ ﴿والآصال﴾ ط لمن قرأ ﴿يسبح﴾ بفتح الباء كأنه قيل : من يسبح ؟ فقيل :﴿رجال﴾ أي يسبحه رجال. ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿رجال﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿الزكاة﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿والأبصار﴾ ٥ لا لتعلق اللام. أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال : فلما سقطت النون انكسرت اللام. ﴿من فضله﴾ ط ﴿حساب﴾ ٥ ﴿ماء﴾ ط ﴿حسابه﴾ ط ﴿الحساب﴾ ٥ لا للعطف ﴿سحاب﴾ ط لمن قرأ ﴿ظلمات﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿فوق بعض﴾ ط ﴿يراها﴾ ط ﴿من نور﴾ ٥ ﴿صافات﴾ ط ﴿وتسبيحه﴾ ط ﴿يفعلون﴾ ٥ ﴿والأرض﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿المصير﴾ ٥ ﴿من خلاله﴾ ج لما قلنا ﴿عمن يشاء﴾ ط ﴿بالأبصار﴾ ٥ ط ﴿والأنهار﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ج ﴿من ماء﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿بطنه﴾ ج ﴿رجلين﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿أربع﴾ ط ﴿ما يشاء﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥ ﴿مبينات﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ٥ ﴿ذلك﴾ ط ﴿بالمؤمنين﴾ ٥ ﴿معرضون﴾ ٥ ﴿مذعنين﴾ ٥ ط ﴿ورسوله﴾ ط ﴿الظالمون﴾ ٥.
ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ قال علماء المعاني : التنكير في ﴿ماء﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة. وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر. وإنما عرّف في قوله ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠] لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. وعن القفال أن قوله ﴿من ماء﴾ صفة ﴿دابة﴾ لا صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله تعالى واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل : نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء. ثم بين أن أصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء. وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله " فلان لا يتمشى له أمر " وقد يوجد من الدواب ذوات أرجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له أربع وأربعون رجلاً المسمى " دخال الأذن ". وإنما لم يذكرها سبحانه لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن. ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على أربع فقط.
وقيل : إن في قوله تعالى ﴿يخلق الله ما يشاء﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول : الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر. فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة. ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء. وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب. وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها. ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد. ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد. ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان. ومنه ما له شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش. ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه. وفي قوله ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.
الرحمن على العرش استوى } [طه: ٥] وفي قوله ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما التأويل الثاني : فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾
[الزمر: ٦٩] وهو مقام " كنت له سمعاً وبصراً " الحديث :﴿في بيوت﴾ هي القلوب ﴿أذن الله﴾ أمر وأراد ﴿أن ترفع﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال " وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام " فرغ لي بيتاً اسكن فيه " فقال : رب أنت منزه عن البيوت. فقال : فرغ لي قلبك. ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ويذكر فيها اسمه﴾ ﴿لا تلهيهم تجارة﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾
[الصف: ١٠] ﴿ولا بيع﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿إن الله اشترى﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله ﴿فاستبشروا ببيعكم﴾ [التوبة: ١١١] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿يخافون يوماً﴾ هو يوم الفراق ﴿تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾ هو حب الدنيا ﴿يغشاه موج﴾ الرياء ﴿من فوقه موج﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿من فوقه سحاب﴾ الشرك الخفي ﴿إذا أخرج﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿لم يكد يراها﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً﴾ أي لم يصبه رشاش النور الإلهي في الأزل ﴿يزجى﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو مطر التوبة ﴿يخرج من خلاله﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ينزل من سماء القلب ﴿من جبال﴾ من قساوة ﴿فيها من برد﴾ هو برد القهر ﴿يقلب الله﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿والله خلق﴾ كل ذي روح ﴿من ماء﴾ هو روح محمد ﷺ كما قال
" أول ما خلق الله روحي " ﴿فمنهم من يمشي﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿أفي قلوبهم مرض﴾ انحراف في الفطرة ﴿أم ارتابوا﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿أم يخافون﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿وإليه المآب﴾.