جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
اختلف أهل التأويل في الذي استثني منه قوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا منْ بَعْدِ ذَلكَ وأصْلَحُوا فقال بعضهم : استثني من قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ وقالوا : إذا تاب القاذف قُبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حُدّ فيه أو لم يحدّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن حماد الدّولابيّ، قال : ثني سفيان، عن الزهري، عن سعيد إن شاء الله، أن عمر قال لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك، أو رَدّيْت شهادتك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة وشبلَ بن معبد ونافع بن الحارث بن كَلَدة حَدّهم. وقال لهم : من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبلٌ نفسَه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل. قال الزهريّ : هو والله سُنّة فاحفظوه.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال : حدثنا داود، عن الشعبيّ، قال : إذا تاب يعني القاذف ولم يعلم منه إلاّ خير، جازت شهادته.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا داود، عن الشعبي، قال : على الإمام أن يستتيب القاذف بعد الجَلْد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا داود، عن عامر، أنه قال في القاذف : إذا تاب وعلم منه خير إن شهادته جائزة، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه.
قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبيّ، نحوه.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال في القاذف : إذا تاب وأكذب نفسه قُبلت شهادته، وإلا كان خليعا لا شهادة له لأن الله يقول : لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . إلى آخر الآية.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ أنه كان يقول في شهادة القاذف : إذا رجع عن قوله حين يُضرب، أو أكذب نفسه، قُبلت شهادته.
قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه كان يقول : يقبل الله توبته، وتردّون شهادته ؟ وكان يقبل شهادته إذا تاب.
قال : أخبرنا إسماعيل عن الشعبيّ أنه كان يقول في القاذف : إذا شهد قبل أن يُضرب الحدّ، قُبلت شهادته.
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبيدة عن إبراهيم، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي، أنهما قالا في القاذف : إذا شهد قبل أن يُجلد فشهادته جائزة.
حدثني يعقوب، قال : قال أبو بشر، يعني ابن عُلَية، سمعت ابن أبي نجيح يقول : القاذف إذا تاب تجوز شهادته. وقال : كنا نقوله. فقيل له : من ؟ قال : قال عطاء وطاوس ومجاهد.
حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن خالد بن عَثْمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمر بن طلحة، عن عبد الله، قال : إذا تاب القاذف جلد وجازت شهادته. قال أبو موسى : هكذا قال ابن أبي عَثْمة.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عَثْمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن سليمان بن يسار والشعبي قالا : إذا تاب القاذف عند الجلد جازت شهادته.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : أن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة جلد رجلاً في قذف، فقال : أَكْذِبْ نفسك حتى تجوز شهادتك
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، قال : سمعت إبراهيم والشعبيّ يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبيّ لإبراهيم : لِم لا تقبل شهادته ؟ فقال : لأني لا أدري تاب أم لا.
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : تُقبل شهادته إذا تاب.
قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، مثله.
قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جُرَيج، عن عمران بن موسى، قال : شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، قال : قال الشعبيّ : إذا تاب جازت شهادته، قال ابن المثنى. قال : عندي، يعني في القذف.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير : أن عبد الله بن عتبة كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب.
حدثني يعقوب، قال : ثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : إذا تاب وأصلح قُبلت شهادته يعني القاذف.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن ابن المسيب، قال : تقبل شهادة القاذف إذا تاب.
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، عن ابن المسيب، مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد، عن معمر، قال : قال الزُهريّ : إذا حدّ القاذف، فإنه ينبغي للإمام أن يستتيبه، فإن تاب قُبلت شهادته، وإلاّ لم تقبل. قال : كذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فتابوا إلاّ أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادته.
وقال آخرون : الاستثناء في ذلك من قوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون.
وأما قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا أشعث بن سوّار، قال : ثني الشعبيّ، قال : كان شريح يجيز شهادة صاحب كلّ عمل إذا تاب إلاّ القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه ولا نجيز شهادته.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا أشعث بن سوار، قال : حدثنا الشعبيّ، عن شُريح بنحوه، غير أنه قال : صاحب كلّ حدّ إذا كان عدلاً يوم شهد.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال : كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول : توبته فيما بينه وبين ربه.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، عن مُطَرّف، عن أبي عثمان، عن شريح في القاذف : يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال : أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الخصم : ألا ترى ما به ؟ قال : قد أراه. قال : فسأل القوم، فأثنوا عليه خيرا، فقال شريح : نجيز شهادة كل صاحب حدّ، إذا كان يوم شهد عدلاً إلاّ القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه.
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال : جاء خصمان إلى شُرَيح، فجاء أحدهما ببينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الخصم : ألا ترى إلى ما به ؟ فقال شريح : قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا. ثم ذكر سائر الحديث، نحو حديث أبي كريب.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن شريح أنه كان يقول : لا تُقبل له شهادة أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه يعني القاذف.
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا الأشعث، عن الشعبيّ، بأن ربابا قطع رجلاً في قَطْعِ الطريق، قال : فقطع يده ورجله. قال : ثم تاب وأصلح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته. قال : فقال المشهود عليه : أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع ؟ قال : فقال شريح : كل صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح، فشهادته جائزة إلاّ القاذف.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا شعبة، قال المغيرة : أخبرني، قال : سمعت إبراهيم يحدّث عن شريح، قال : قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه. قال أبو موسى : يعني القاذف.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال : قال شريح : لا يقبل الله شهادته أبدا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، أنه قال : القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، أنه قال : القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أنه قال في الرجل يُجْلَد الحدّ، قال : لا تجوز شهادته أبدا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم : أنه كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فيما بينه وبين الله يعني القاذف.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ قال :«لا تَجُوزُ شَهادَةُ مَحْدُودٍ فِي الإسْلامِ ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا قال : كان يقول : لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنما توبته فيما بينه وبين الله. وكان شريح يقول : لا تُقبل شهادته.
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا، ثم قال : فَمَنْ تابَ وأصْلَحَ فشهادته في كتاب الله تقبل.
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الاستثناء من المعنيين جميعا، أعني من قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا، ومن قوله : وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحدّ في القذف حتى تاب، إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدّها ولم يكن لها طالب يطلب بحدّها. فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة.
فإذ كان من الجميع إجماعا، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحدّ في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحدّ وسماه فيها فاسقا، كان معلوما بذلك أنّ إقامة الحدّ عليه في رميه، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحدّ عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه لأن الحدّ يزيد المحدود عليه تطهيرا من جُرمه الذي استحق