تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) فيه أقوال : قال مجاهد : الذين ملكت أيمانكم هم العبيد، وعن بعضهم : أنهم الإماء، روي هذا عن ابن عمر، والأصح أنه في العبيد والإماء.
قوله :( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) ليس هؤلاء هم الذين لم يظهروا على عورات النساء، فإن الذين لم يظهروا على عورات النساء لا حشمة لأحد منهم ؛ لأنا بينا أنهم الذين لا يميزون، ولكن هؤلاء هم الذين ميزوا، وعرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
قوله :( ثلاث مرات ) أي : استأذنوا ثلاث مرات.
وقوله :( من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ) خص هذه الأوقات الثلاثة بالأمر بالاستئذان ؛ لأنها أوقات ينكشف فيها الناس ويبدوا منهم ما لا يحبون أن يراه أحد، فإن قبل الفجر ينتبهون من النوم فينكشفون، وعند الظهيرة يلقون ثيابهم ليقيلوا، وبعد العشاء ( الأخير ) (١) ينكشفون للنوم، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لهذا المعنى، والمراد من الآية : استئذان الخدم والصبيان، فأما غيرهم يستأذنون في جميع الأحوال، وعن ابن عباس قال : لم يكن للقوم ستور ولا [ حجاب ] (٢)، وكان الخدم والولائد يدخلون عليهم، فيرون منهم ما لا يحبون أن يرى منهم، فأمر الله تعالى بالاستئذان، ثم إن الله تعالى بسط رزفه، واتخذ الناس ستورا و[ حجابا ] (٣)، فرأوا أن ذلك قد أغنى من الاستئذان، قال الشعبي وسعيد بن جبير : هذه الآية غير منسوخة لكن تهاون الناس. وحكى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من القرآن لا يعمل الناس بها، وذكر هذه الآية وذكر قوله تعالى :( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (٤) فلا يزال الناس يقولون : أنا ابن فلان، وأكرم من فلان، وأحسن من فلان، قال عطاء : ونسيت الثالثة.
وقوله :( ثلاث عورات لكم ) قرئ برفع الثاء ونصبه، فقوله :( ثلاث ) بالرفع، أي : هي ثلاث عورات لكم، وقوله :( ثلاث عورات لكم ) بالنصب بدل من قوله :" ثلاث مرات " فيكون نصبا على البدل.
وقوله :( ليس عليكم ولا عليهم جناح ) أي : إثم في ترك الاستئذان فيما سوى هذه الأوقات الثلاثة.
وقوله :( بعدهن ) إشارة إلى هذا المعنى.
وقوله :( طوافون عليكم بعضكم على بعض ) ابتداء أي : هؤلاء الخدم والولائد طوافون عليكم، يطوفون عليكم ليخدموكم، ومن هذا قوله ﷺ في الهرة :«إنها من الطوافين عليكم والطوافات »(٥).
وقوله :( بعضكم على بعض ) أي : يطوف بعضكم على بعض.
وقوله :( كذلك يبين الله لكم الآيات ) أي : الدلالات، وقيل : الأحكام.
وقوله :( والله عليم حكيم ) أي : عليم بأمور خلقه، حكيم فيما دبر لهم.
١ - في "ك": الآخرة..
٢ - من "ك": ومثله في تفسير البغوي ٥٣/٣٥٦-، وفي الأصل: مجال، وحجالا..
٣ - نفسه..
٤ - الحجرات: ١٣..
٥ - رواه أبو داود ٥١/١٩-٢٠ رقم ٧٥-، والترمذي (١/١٥٣-١٥٤ رقم ٩٢) وقال حسن صحيح، والنسائي (١/٥٥ رقم ٦٨) و(١/١٧٨ رقم ٣٤٠)، وابن ماجه (١/١٣١ رقم ٣٦٧) وأحمد (٥/٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩)، ومالك في الموطأ (١/٣٣)، وابن خزيمة (١/٥٥ رقم ١٠٤)، وابن حبان (٤/١١٤-١١٥ رقم ١٢٩٩)، والحاكم (١/١٦٠) وقال: صحيح وهو مما صححه مالك واحتج به في الموطأ، وغيرهم عن أبي قتادة به..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى